نوال برّو

البيئة ضحيّة الحرب أيضًا... والأرض تدفع الثمن

3 دقائق للقراءة

يصادف في 22 نيسان يوم الأرض، فكيف لا يعني اللبنانيين هذا اليوم وأرضنا التي نتمنى أن تبقى بمساحتها البالغة 10,452 كيلومترًا مربّعًا، مليئة بالخيرات الزراعية والمائية والبيولوجية؟ في هذا اليوم، يحتفل العالم بأهمية الحفاظ على البيئة، لكن في لبنان تأذت ثرواتنا الطبيعية بشكل كبير بفعل الحرب والقصف والدمار، لتصبح البيئة، كما اللبناني، ضحيّة حرب لا ذنب لها فيها.

لا تزال تفاصيل الأضرار البيئيّة الناجمة عن حرب 2023 غير دقيقة، مع تعذّر إجراء مسح ميدانيّ شامل، إذ لم يفسح اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 المجال لتقييم كامل، بسبب استمرار القصف وصعوبة الوصول إلى مناطق حدودية عدة، قبل تجدّد التصعيد في آذار 2026، إلّا أن الأكيد أن الخسائر تجاوزت مئات ملايين الدولارات في القطاع الزراعيّ وحده، مع تضرّر نحو ربع أراضيه الزراعية.

هذه القضية ليست بسيطة وعابرة، حيث يؤكّد رئيس جمعية "درب عكار" البيئية، المهندس الزراعي علي طالب، أن "ما تتعرّض له البيئة اللبنانية اليوم يتجاوز الأضرار المباشرة، ليصل إلى تهديدات طويلة الأمد تطول صحة الإنسان والأمن الغذائي، نظرًا لاستخدام مواد مثل الغليفوسات والفوسفور الأبيض". كما أن "تسرّب هذه المواد إلى المياه الجوفية قد يؤدّي إلى استخدامها لاحقًا للشرب أو الريّ، ما ينعكس سلبًا على صحة السكان"، وفقًا له.

ويضيف أن القطاع الزراعي تأثر بشكل كبير نتيجة تدمير الأراضي واقتلاع الأشجار، لا سيّما الزيتون.

إذًا الأضرار ليست ظرفية بل قد تمتدّ لأجيال قادمة، ولا تقتصر على التربة والمياه، حيث يحذر طالب من أن الخسارة تطول أيضًا التنوّع البيولوجي، موضحًا أن "هناك أنواعًا نباتية نادرة ومهدّدة بالانقراض توجد حصرًا في الجنوب، مثل سوسن ميس الجبل وسوسن ديسماتيكنيا في الخيام، وقد تعرّضت مناطق انتشارها للقصف، وتحوّلت تلك المساحات إلى مراكز عسكرية ما يشكّل اعتداءً بيئيًا بالغ الخطورة".

كذلك تسبّبت حركة النزوح في الضغط على الموارد الطبيعية بشكل غير مسبوق، فبحسب طالب "نحو مليون نازح توزّعوا على مناطق الشمال والبقاع وبيروت، ما أدّى إلى ضغط واضح على هذه المناطق، وعلى الأراضي الزراعية فيها، وبالتالي ارتفاع الأسعار".

وفي ما يتعلّق بمرحلة ما بعد الحرب، يؤكد طالب "ضرورة التدخل الفوري لتقييم الأضرار في مناطق النزاع وإجراء مسح ميداني شامل يشمل فحوصات دقيقة للتربة والمياه قبل إعادة استخدامها"، داعيًا إلى "فرض إجراءات وقائية إلى حين إعادة تأهيل الأراضي الزراعية المتضرّرة بالمواد الكيميائية، ومعالجة آثار الحرائق التي طالت الغابات، خصوصًا في الجنوب".

كذلك يشدّد على أهمية وضع خطط شاملة لإعادة التأهيل، لكنه يقرّ بأن "المهمة لن تكون سهلة، إذ تتطلّب تنسيقًا بين مختلف الجهات المعنيّة، من وزارات الزراعة والبيئة إلى الجمعيات البيئية"، لافتًا إلى أن "بعض الأنواع النباتية قد يكون فُقد نهائيًا، فيما يمكن إنقاذ أنواع أخرى عبر إعادة زراعتها ومعالجة التربة والموارد المائية المتضرّرة".

وبمناسبة يوم الأرض، يوجّه طالب رسالة أن "الأرض في النهاية هي مصدر رزق اللبنانيين وأمنهم الغذائي وجزء من هويتهم، ما يفرض تضافر الجهود لإعادة استصلاح الأراضي وترميم الغابات وحماية الموارد الطبيعية، لأن الإرادة الجماعية قادرة على إصلاح جزء كبير من الأضرار".

إذًا، التحدّيات جسيمة، وما نشهده يقترب من إبادةٍ بيئية ندفع ثمنها باهظًا مع كلّ يومٍ إضافي من الحرب. وبين كل هذا الخراب، يبقى الأمل بأن يحلّ سلامٌ دائم، يحمي الإنسان أولًا ويمنح بيئته فرصةً للنجاة والتعافي.