د. أنطوان مسرّة

13 نيسان: مناعة لبنان وانعدام مناعة اللبنانيين!

6 دقائق للقراءة

يبيّن الاختبار التاريخي في لبنان أن الكيان اللبناني يتمتع بمناعة قصوى لا مثيل لها عالميًا.

لا يعني ذلك إطلاقًا العدول عن إدراك المخاطر على لبنان الرسالة والدور والضرورة كما يخشاه عقل العويط في مقاله: "زوال لبنان على حافة أن يصبح عاديًا وبلا معنى" (11/4/2026). ما يحصل في لبنان هو سعي "لقتل المعنى" من خلال دولة رديفة ونظام إقليمي يعمل ويزرع دول رديفة في لبنان وسوريا والعراق واليمن... ويحكمه رجال دين معمّمون.

طوال سنوات الحروب المتعددة الجنسيات في لبنان في السنوات 1975-1990 تم زرع متاريس ومعابر في كل جغرافية لبنان سعيًا للفصل بين المناطق والمذاهب وتطبيقًا لمخطط صهيوني في مذكرات موشي شاريت وبن غوريون في سنة 1950. بعد زوال المعابر عاد لبنان إلى ذاته في أربعة أبعاد: جغرافيًا وديموغرافيًا ودستورًا وعروبة. أما استمرار الاحتلال الأخوي أو بالوكالة ومساعي لبنانيين في استدراج بابٍ عالٍ ومزايدات ببغائية حول العدو وادعاء المقاومة الفئوية، فهي شؤون أخرى.

خلافًا لمقولة أحدهم أن "ميثاق الطائف قلب الأمور رأسًا على عقب"، وخلافًا لادعاء البعض بشأن جمهورية ثانية أو ثالثة، فإن ميثاق الطائف لم يأتِ بجديد في ثوابت البنية الدستورية. كرّس هذه الثوابت في مقدمة الدستور ومن خلال الاختبار والممارسة. في ذكرى 13 نيسان وما يذكره الرئيس نواف سلام في كلمته في هذه المناسبة، فإن أكثرية اللبنانيين هم الذين يفتقرون إلى المناعة تجاه صراعات الخارج ويمارسون الدعارة في العلاقات الخارجية.

لطالما شجعت طلابًا على تنقيب تاريخي من نوع آخر حول تجربة الميليشيات طوال سنوات الحروب في 1975- 1990 حيث يكمن الجواب حول الدولة في لبنان وصمودها. نركّز على ثلاث حالات لدى كل الميليشيات وكل قوى الأمر الواقع والاحتلال في علاقتها بمركزية الدولة العابرة لكل الطوائف transcommunautaire وضمان الاستقرار.

1. الانتفاضات والعناصر غير المنضبطة داخل كل ميليشيا: عرفت كل الميليشيات، والتي هي الأكثر حرصًا على لبنان واستقلاله، انتفاضات من الداخل. إنها ظاهرة طبيعية من منظور أنتروبولوجيا الدولة. عندما يوزع أي زعيم أسلحة على عناصره يتمتع بعدئذ هؤلاء بنفوذ وينساقون في مقاومة سلطة الرئاسة. تنشئ بعدئذ كل ميليشيا محاكم ميدانية لمحاكمة أو قمع المخالفين! ينجح هذا السياق ظرفيًا، ثم تبرز مقاومة عنفية لتصفية القائد أو إقصائه. يعني ذلك حاجة كل مجتمع إلى سلطة مركزية لضبط النزاعات بين قبائل وعائلات وميليشيات وقبضايات... نشأت الدولة من منطلق الحاجة إلى سلطة مركزية تطبّق القانون بمعزل عن زعامات أمر واقع.

2. الحفاظ على الدولة اللبنانية الضعيفة أو المستضعفة لسرقتها! قد يحصل انقلاب عسكري حيث تستولي قوة على الحكم وتفرض سلطتها. لكن الانقلابات في لبنان، بسبب التعددية المذهبية وميزان متعدد من 18 طائفة، مستحيلة ولم تكن اختباريًا إلا متلفزة! يستحيل تخيّل حصول انقلاب عسكري في لبنان يحظى بشرعية واسعة. لهذا السبب يحصل في لبنان سعي للاستيلاء على مركزية الدولة من خلال أساليب في التعطيل والمخادعة القانونية escroquerie juridique.

طوال السنوات 1990-1975، كل الميليشيات، بعد أن رسمت حدودها الجغرافية، لم تسعَ إلى تخطي حدودها الجغرافية لإدراكها مجالات وحدود الممكن. واستمرت الميليشيات في التقيد بكل الإجراءات المؤسسية الشكلية حفاظًا على هيكلية الدولة، مع استيلائها على وظائف الدولة وموارد الدولة واتهامها المستمر للدولة الضحيّة.

3. طغيان أقلية أو أكثرية: سعت قوى الاحتلال، إدراكًا منها لاستحالة السيطرة المباشرة على الدولة من خلال انقلاب، إلى الاستيلاء على مركزية الدولة بواسطة التلاعب بالتعددية والمخادعة وشعارات ملوثة في "الميثاقية" و "التوافق" والحصص... إنها وسائل مخادعة تطبيقًا لعقيدة الكاتب الإسرائيلي Sammy Smooha في إدارة التعددية الدينية والثقافية وهي عقيدة minority control/dominant majority في طغيان أقلية أو أكثرية.


الدولة في لبنان دائمة الوجود بالرغم من كل الأوضاع وبخاصة تجاه أخصام الدولة، الذين يحافظون على الدولة لسرقتها مع تبرئة الذات! الدولة في لبنان هي كالمرأة الزانية الضحية والمتهمة والمضلّلة والمعتدى عليها!

لكن لا مفارقة ولا معجزة بشأن صمود الدولة في لبنان. ليست كل طائفة منفردة قبيلة أو مجموعة متماسكة، ولا هي أكثرية راجحة ولا هي عصابة قابلة للدفاع عن ذاتها! يوجد بالتالي حاجة لبنانية أنثروبولوجية، احشائية للدولة! الدولة اللبنانية، المستضعفة والضحية، موجودة بسبب طبيعة الفرقاء العاجزين عن أي بديل آخر في الحماية!

ما الفائدة من هذا العرض الانتروبولوجي الواقعي؟ لنتوقف عن تعليم الطلاب في الحقوق ما هي الدولة استنادًا إلى منمطات سائدة: الدولة هي أرض وشعب ومؤسسات! هذه مكوّنات الأمة! القبضاي في الضيعة لديه منطقته وأزلامه وتنظيماته! أما الوظائف التأسيسية الملكية للدولة (rex, regis, roi) فهي أربع: احتكار القوة المنظمة، احتكار العلاقات الدبلوماسية، فرض الضرائب وجبايتها، إدارة السياسات العامة.

ليست مشاكل اللبناني مع دولته من منطلق القانون الدستوري الوضعي، بل ترتبط بعلم النفس التاريخي ومثاقفة الدولة والتنشئة السياسية. إن النقل العلمي والواقعي لتاريخ لبنان، في عراقته ومعاناته وإنجازاته المشتركة، وتاريخ نزاعاتنا داخل الطوائف وبين الطوائف هما منطلق المعالجة، بالمعنى الطبي، لإدراكاتنا المرضية للدولة والحاجة اللبنانية الاحشائية للدولة. حبيبتي الدولة هو الجواب الشافي. الدولة في كامل وظائفها الملكية هي الحماية والضمانة تجاه أي هيمنة حزبية أو فئوية أو أي وصاية أو احتلال أو باب عال وأي مخادعة من خلال طغيان فئوي وتلاعب بالتعددية لضربها.

هل يعني ذلك إمكانية الاطمئنان حول صمود الدولة في لبنان؟ الحاجة إلى مثاقفة الدولة لبنانيًا ودولنة المواطنية تجاه كل مسعى داخلي أو خارجي. يكمن الخطر الأقصى في السعي لتغيير جوهري في لبنان المعنى والرسالة والدور العربي اللبناني وعلى حساب كل الطوائف بدون استثناء. كان هدف زيارة البابا إلى لبنان إثبات أهمية الكيان اللبناني. لكن بعد هذه الزيارة لم تصدر أي وثيقة تاريخية تتضمن رؤية استشرافية وتطبيقية في سبيل حماية لبنان المعنى والرسالة والدور العربي اللبناني في مواجهة حالة بربرية في اغتيال الدولة في شرعيتها ومركزيتها ووحدانيتها.


عضو المجلس الدستوري، 2009-2019