الدكتور سايد حرقص

الخلاف ليس على مبدأ التفاوض… بل على القرار

3 دقائق للقراءة

ليس الخلاف القائم اليوم في لبنان حول مبدأ التفاوض بحدّ ذاته، بل حول من يملك قرار التفاوض، ولأيّ هدف يُستخدم، وهل لبنان دولة مستقلة أم ورقة ملحقة بالنظام الإيراني. فالحملة التي تطلقها بيئة حزب الله ضد رئيس الجمهورية والحكومة، بذريعة رفض التفاوض المباشر مع إسرائيل، تبدو في ظاهرها منطقية ووطنية، دفاعاً عن السيادة والكرامة. لكنها، في جوهرها، تعكس محاولة واضحة للإبقاء على لبنان أسير الهيمنة الإيرانية، وتحويله إلى ورقة تفاوض في يد طهران.

تكمن المفارقة في أن مبدأ التفاوض الذي يُرفض اليوم سبق أن اعتمدته إيران نفسها حين اقتضت مصالحها ذلك، وفضيحة "إيران–غيت" التي قام بها الخميني نفسه ليست إلا مثالاً صارخاً على براغماتية مفرطة تُسقِط "الشعارات الكبرى" وحتى "العقائد الأيديولوجية" عند أول اختبار للمصلحة. في المقابل، كان لبنان الرسمي قد طرح التفاوض منذ زمن لوقف الحرب، غير أن إسرائيل رفضت حينها. أما اليوم، فإن القبول المفاجئ من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بمبدأ المفاوضات المباشرة، في توقيت حساس، يوحي بمحاولة لفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، خصوصاً أن الذرائع السابقة المرتبطة بضعف الدولة اللبنانية وعدم قدرتها على الالتزام لم تتبدل.

في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية، المثقلة بالأزمات والمكبّلة بضعف وشلل مؤسساتها العسكرية والأمنية لألف سبب وسبب، وكأنها تحاول فتح نافذة تفاوضية تعيدها إلى خارطة الاهتمام الدولي. غير أنّ هذا المسعى يصطدم بخلل جوهري في ميزان السيادة: سلاح خارج إطار الدولة، قرار استراتيجي ليس بيدها، وأرض مستباحة. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: كيف لدولة أن تفاوض وهي لا تملك قرار الحرب والسلم؟ وكيف لمسار تفاوضي أن يكون منتجاً في ظل هذا الواقع؟ قيل قديماً: «لا تفاوض النمر ورأسك في فمه». أما اليوم، فيصحّ القول: كيف تفاوض النمر ورأسك في فمه، وسكين الجزار الفارسي على عنقك؟ ولكن، هل من خيار آخر فعلاً؟

اللافت أن القوى التي ترفع شعار رفض التفاوض مع إسرائيل لا تستند إلى موقف مبدئي ثابت، بل إلى هدف واضح، ألا وهو جعل لبنان ورقة تفاوضية في يد إيران. وعليه، فإن الاعتراض ليس على مبدأ التفاوض بحدّ ذاته، بل على الجهة التي تدير هذا التفاوض، ولحساب من يُدار.

إن جوهر الأزمة يتمثل في سعي هذه القوى، التي زجّت لبنان شعباً ودولةً في أتون صراعات مخيفة، إلى إبقائه مجرد ورقة ضمن شبكة النفوذ الإيرانية. وهذا ما يفسّر حدّة ردود فعلها عند أي محاولة لفصل لبنان عن هذه الشبكة، لأن في ذلك تهديداً مباشراً للأهداف التي بُنيت من أجلها، وهي حصر وظيفة لبنان كأداة في صراعات الشرق وقاعدة متقدمة لإيران على البحر المتوسط.

في الخلاصة، قد يكون التفاوض ضرورة في سياق حماية المصالح الوطنية، لكنه لن يكون مجدياً إلا إذا انطلق من قرار سيادي حر. فالتفاوض الحقيقي يفترض دولة تمتلك سلطتها الكاملة على أرضها وسلاحها وحدودها. أما في ظل غياب هذا الشرط، فإن كل حديث عن التفاوض يبقى مجرد إدارة للأزمة لا حلاً لها.

حمى الله لبنان وشعبه من عواصف الأمم، بعد أن تحوّل منذ عام 1975 إلى ساحة صراع مفتوحة، لا يُسمع فيها إلا صدى صراعات الآخرين.