جوزيف بوهيا

بين نار بنت جبيل وطاولة واشنطن: لحظة كسر الوصاية المسلحة في لبنان

5 دقائق للقراءة

لم يعد ما يجري في الجنوب مجرد مواجهة حدودية، ولا ما يُفتح في واشنطن مجرد مسار تفاوضي عابر. نحن أمام لحظة فاصلة يُعاد فيها طرح السؤال الذي عطّلت الإجابة عنه كل التسويات الملتبسة في لبنان: من يملك قرار الحرب والسلم؟ من يمثل الدولة؟ ومن يحدد مصير الجنوب؟ فإسرائيل لا تدخل التفاوض كبديل عن الحرب، بل كامتداد لها بأدوات أخرى؛ تضغط بالنار في الميدان، ثم تنتقل إلى الطاولة لتثبيت ما راكمته بالقوة. لذلك، لا يدور الصراع اليوم حول ترتيبات أمنية فحسب، بل حول إعادة رسم ميزان الشرعية داخل لبنان نفسه.

في هذه اللحظة تحديدًا، تتأكد صحة الخيار السيادي بلا التباس. فالقوى السيادية، حين تمسكت بأن الدولة وحدها يجب أن تفاوض، وأن السلاح الخارج عنها ليس عنصر حماية بل أداة لمصادرة القرار الوطني، لم تكن تخوض سجالًا عابرًا، بل كانت تدافع عن جوهر الدولة ومعنى السيادة. واليوم، يتكشف أن كل محاولة لإبقاء هذا الملف خارج مرجعية الدولة لم تؤدِّ إلا إلى تعميق الخلل، وتعريض لبنان لحروب لا يقررها وحده، وتسويات لا تُصاغ وفق مصلحته الوطنية.

أما بنت جبيل، فهي ليست مجرد جبهة مشتعلة، بل تختصر منطق المرحلة كلها. فإسرائيل لا تضغط هناك بمعزل عن التفاوض، بل تستخدم الميدان لصناعة شروطه. كل تقدم على الأرض يُراد له أن يتحول إلى ورقة على الطاولة، وكل استنزاف بالنار يُراد له أن يُترجم سياسيًا عند لحظة المساومة. من هنا، فإن الانشغال بنتيجة الجلسة الأولى وحدها خطأ في قراءة المشهد. ما سيحكم المسار الحقيقي ليس فقط ما سيُقال في افتتاح التفاوض، بل ما ستفعله إسرائيل بين جولة وأخرى. فالفاصل التفاوضي، في الحساب الإسرائيلي، ليس زمن تهدئة بل زمن استثمار؛ استثمار للنار من أجل رفع سقف الشروط.

ومن هذه الزاوية، تبدو القراءة الأكثر تماسكًا أن إسرائيل ستتعامل مع التفاوض كغطاء زمني لمراكمة مزيد من الضغط الميداني، تمهيدًا لدفع الجبهة نحو معادلة أشد قسوة. فالليطاني لا يظهر فقط كخط جغرافي محتمل في الحسابات العسكرية، بل كحدّ سياسي وأمني يُراد الاقتراب منه بالقوة ثم تثبيته بالتفاوض. وعند هذه النقطة، لا يعود الهدف مجرد وقف إطلاق نار أو إعادة ضبط اشتباك، بل فرض معادلة واضحة: الأرض مقابل السلاح. أي إن ما يُنتزع أو يُهدد أو يُحاصر بالنار، يمكن أن يتحول لاحقًا إلى ورقة ضغط مباشر لفتح باب إسقاط معادلة سلاح حزب الله خارج سلطة الدولة.

هنا يدخل حزب الله في مأزق استراتيجي فعلي لا يتوقف على نجاح الجلسة الأولى أو فشلها. فإذا تقدم التفاوض، يكون الحزب قد خسر احتكار التمثيل في الملف الذي بنى عليه شرعيته الداخلية لعقود: ملف الحرب مع إسرائيل، وحدود الجنوب، وسقف الاشتباك. وإذا تعثر التفاوض، فلن يكون ذلك إنقاذًا له، بل فرصة إضافية لإسرائيل كي توسع الضغط العسكري وتراكم الاستنزاف وترفع كلفة بقاء المعادلة الحالية. لذلك، فإن الحزب مأزوم في الحالتين، لأن ما يُستهدف اليوم ليس فقط قدرته النارية، بل موقعه داخل بنية القرار اللبناني نفسها.

في المقابل، تضع هذه اللحظة الدولة اللبنانية أمام امتحان حاسم. فلم يعد كافيًا ترداد لغة السيادة نظريًا فيما تبقى المرجعية الفعلية منقوصة، والقرار الوطني موزعًا، والسلاح خارج الشرعية حاضرًا كأمر واقع. لقد أثبتت التجربة أن التسويات الرمادية لا تبني دولة، وأن مساكنة الازدواجية لا تنتج استقرارًا، وأن تأجيل الحسم تحت عناوين التوازن أو الضرورة لم يؤدِّ إلا إلى إضعاف لبنان أكثر. من هنا، فإن استعادة الدولة لا تبدأ من الخطاب، بل من تثبيت قاعدة واحدة لا تقوم السيادة من دونها: لا تفاوض خارج الدولة، ولا قرار عسكري خارج الدولة، ولا شرعية لسلاح ينازعها وظيفتها الأساسية.

صحيح أن إسرائيل لا تتحرك من أجل مصلحة لبنان، بل وفق مصالحها الأمنية والاستراتيجية، وتسعى إلى جنوب منزوع التهديد ولبنان مفصول عن المسار الإيراني. لكن هذه الحقيقة لا تلغي حقيقة أكثر جوهرية: أن كسر الوصاية المسلحة في لبنان هو مصلحة لبنانية عليا قبل أن يكون نتيجة تخدم أي طرف آخر. فالمشكلة لم تكن يومًا في أن مطلب حصر السلاح بيد الدولة يرضي هذا الخارج أو يزعج ذاك، بل في أن بقاء السلاح خارجها دمّر منطق الدولة نفسه، وأبقى لبنان ساحة مفتوحة لحروب الآخرين وتسوياتهم.

إن ما يُرسم اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل الجبهة الجنوبية، بل بمستقبل الجمهورية نفسها. لأن القضية لم تعد مجرد وقف نار أو ترتيبات حدودية، بل صارت معركة على معنى لبنان: هل هو دولة فعلًا، أم ساحة معلقة تحت رحمة سلاح يتجاوزها ويقرر عنها؟ وفي هذا الامتحان، لا تبدو القوى السيادية في موقع الدفاع عن خيارها، بل في موقع إثبات صحته التاريخية. لقد كان موقفها، منذ البداية، الأكثر اتصالًا بفكرة الدولة، والأكثر انسجامًا مع مصلحة لبنان، والأكثر قدرة على قراءة المآلات. واليوم، يتأكد أن لا حماية للبنان إلا بدولته، ولا استقرار له إلا بسيادته الكاملة، ولا مستقبل له إلا بكسر الوصاية المسلحة واستعادة القرار الوطني إلى المكان الوحيد الذي يجب أن يكون فيه دائمًا: الدولة اللبنانية.