مايز عبيد

سلامة العمّال بين غياب الرقابة وواجب الإلزام

دقيقتان للقراءة
المطلوب تأمين العمّال وحياتهم

أعادت حادثة سقوط أحد العمّال في ورشة بناء في منطقة دير عمار شمالًا، تسليط الضوء على واقع السلامة المهنية في لبنان، ولا يمكن التعامل معها كواقعة معزولة. فهي، في الحقيقة، حلقة جديدة في سلسلة حوادث تتكرّر باستمرار، في مشهد بات مألوفًا إلى حدّ الخطورة.

تختصر هذه الحادثة واقعًا مقلقًا يتجاوز الأبنية الآيلة للسقوط، ليطول مباشرة مواقع العمل نفسها. فالمخاطر لم تعد محصورة بالجدران المتصدّعة أو الأبنية الآيلة للسقوط، بل باتت كامنة في كلّ ورشة تفتقر إلى الحدّ الأدنى من شروط السلامة، حيث يعمل العمّال في بيئات غير آمنة، غالبًا من دون تجهيزات وقاية أو إشراف فعلي.

وتكمن المشكلة في أن تكرار هذه الحوادث لم يعد يحرّك ساكنًا بالقدر المطلوب. فبدل أن تتحوّل إلى جرس إنذار يدفع نحو تشديد الرقابة، تبدو وكأنها تُدرج ضمن "المألوف"، في ظلّ غياب المحاسبة واستمرار النهج نفسه من الإهمال. وهذا ما يطرح علامات استفهام جدّية حول دور الدولة في فرض القوانين، وإلزام الشركات والمتعهّدين على السواء، بتأمين شروط السلامة العامة للعاملين في هذا القطاع.

ويفترض بهذه الشركات أو المتعهّدين التأمين الصحي للعمّال في حال حدوث المخاطر أيضًا. فالمسؤولية هنا لا تقف عند حدود التقصير، بل تلامس حدود الإهمال المنهجي. إذ لا يمكن تبرير استمرار وقوع الحوادث بالوتيرة نفسها، من دون وجود خلل واضح في آليات الرقابة والتطبيق. والدولة، المعنيّة أولًا بحماية مواطنيها، مطالبة اليوم بالانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل، عبر إجراءات صارمة ورقابة ميدانية دائمة.

في المقابل، تتحمّل نقابة المهندسين مسؤولية أساسيّة في هذا الإطار، من خلال متابعة التزام المهندسين المشرفين وكامل الأبنية التي يتمّ تشييدها بتطبيق معايير السلامة داخل الورش. فالدور المهني لا يقتصر على التنفيذ، بل يشمل أيضًا ضمان بيئة عمل آمنة، وعدم التهاون في هذا الجانب تحت أي ظرف.

إن تكرار هذه الحوادث يجعل من الصعب اعتبارها مجرّد صدفة، بل يضعها في خانة النتائج المتوقعة لغياب الرقابة الفعلية. وبالتالي، يصبح المطلوب واضحًا: إلزام صارم، رقابة مستمرّة، ومحاسبة لا تستثني أحدًا.

فسلامة العمّال ليست تفصيلًا، بل حقًا أساسيًّا. وأي تأخير في فرض هذا الحق، يعني ببساطة أن الحادثة المقبلة قادمة لا محالة.