د. ألان عقل

إلى الوفد المفاوض

4 دقائق للقراءة

يقف لبنان اليوم أمام عتبة تاريخية، مع انطلاق الاتصالات التمهيدية للمفاوضات بينه وبين إسرائيل، في ظلّ الحرب الدائرة. وليست هي المرّة الأولى التي يتفاوض فيها الطرفان، من سنة 1949 الى 2022، إذا اعتبرنا أنّ المفاوضات حول الترتيبات الأمنية الأخيرة سنة 2024 كانت فعليًا بين ""حزب الله"" وإسرائيل، ممهورةً بتوقيع الحكومة السابقة حفاظًا على المظهر. لكنّ المفاوضات الحالية تكتسب أهميّة قصوى، إذ وافق عليها الجانب الإسرائيلي فجأةً، على الرغم من السعي الدؤوب للدولة اللبنانية، فتمّ سحب السجّادة من تحت حائكيها، وبات لبنان يجلس على طاولة المفاوضات ليتكلّم باسم شعبه بالأصالة.

لقد حقّقت رئاسة الجمهورية اللبنانية كما رئاسة الحكومة إنجازًا بفرض وجود الدولة على الطاولة، لكنّ المفاوضات لن تكون سهلة ولا مضمونة النتائج. فلبنان يشدّد على مطلب وقف إطلاق النار قبل الدخول في عمق البحث، الأمر الذي لن تقبل به إسرائيل بسهولة، على الأقلّ قبل استكمال إحكام قبضتها على المنطقة التي تسمّيها "المنطقة العازلة"، في اعتداءٍ سافرٍ على سيادة لبنان. بالمقابل، يسوّق الإعلام الإسرائيلي لنقاط تتعلق بالتفاوض، من أهمّها تحقيق السلام ومساعدة الدولة اللبنانية على حصر السلاح، والنقطة الأخيرة محاولة مسمومة من المستحيل أن تقبل بها الدولة اللبنانية.

وبما خصّ وقف إطلاق النار، فقد حصل جدل كبير في الآونة الأخيرة حول الموضوع حين استيقظ اللبنانيون باكرًا على إعلان إيران شمول بلدهم بوقف النار، ليعود نتنياهو وينفي في الإعلام قبل أوّل فنجان قهوة، وبالنار والاعتداءات خلال الأربعاء الأسود. فما الذي حصل؟

لقد قدّم كلّ من الجانبَين الأميركي والإيراني نقاطاً للتفاوض، وهو أمرٌ طبيعي، قد يتمّ أو لا يتمّ الاتفاق عليها، كما يحصل عادةً في أيّ مفاوضات، وقد كان وقف إطلاق النار في لبنان، أو وقف القصف على "حزب الله"، من النقاط المطروحة على الورقة الإيرانية. وقبل بدء المفاوضات، سارع المسؤولون الإيرانيون الى الإعلان أنّ الولايات المتحدة وافقت على جميع الشروط الإيرانية، بشكل يلامس حدّ الفكاهة، كانسحاب القوى العسكرية الأميركية من الشرق الأوسط ودفع تعويضات مالية لإيران... ووقف إطلاق النار في لبنان. لكنّ المياه كذّبت الغطاس، وزارع الألغام، والأوهام. على الأثر، أعلن الإيرانيون بأنّ وفدهم لن يتّجه الى إسلام أباد قبل وقف إطلاق النار في لبنان، ثمّ عدّلوا الموقف زاعمين بأنهم سيذهبون دون المشاركة بالمفاوضات، وفي النهاية، شاركوا في مفاوضاتٍ لمدّة أكثر من عشرين ساعة، وسيشاركون في الجولة المقبلة التي لا بدّ من حدوثها.

وبالعودة الى مفاوضاتنا، يروي أستاذ الدبلوماسية والسياسة الخارجية اللبنانية، الراحل الكبير غسان تويني، في كتابه "حربٌ من أجل الآخرين" Une guerre pour les autres تفاصيل المفاوضات التي أدّت الى اتفاقية 17 أيار 1983، وكيف كان الجانب الإسرائيلي يغرق الوفد اللبناني بالتفاصيل. الأمر نفسه حدث في عدّة مراحل ومفاوضات، إن كان مع الجانب الإسرائيلي أو مع صندوق النقد الدولي أو غيرهما... فالدولة اللبنانية، للأسف، لا تملك سياسةً خارجية، ولا استراتيجية أمن وطني تستند عليها هذه السياسة، وهي وإن كانت تعرف أنّ عدوّتها إسرائيل، فهي لم تحدد أصدقاءها ولم تعلن تحالفاتها ولا حيادها. وعليه، فالوفد اللبناني الذي يتمتّع بالخبرة والكفاءة، سيخوض مفاوضاتٍ صعبة، دون إطارٍ استراتيجي أو مرتكزاتٍ سياسية، في حين أننا سمعنا في الإعلام اليوم عن تزويد أجهزة الأمن الاستراتيجي للعدو الإسرائيلي أعضاء وفدها بالمعلومات المطلوبة.

وفي حين تعلو الأصوات الممانعة التي تتساءل عن نقاط القوة بيد الوفد اللبناني، تبقى النقطة الأقوى في هذا الإطار هي السّلام. ففي حين أعلن لبنان الرسمي مراراً عن كسر هذا المُحَرّم، يبقى السلام النقطة الوحيدة التي لا تستطيع إسرائيل إليها سبيلاً دون موافقة لبنان الرسمي، الذي يقوده رئيس جمهورية ورئيس حكومة أظهرا شجاعة غير مسبوقة في سياستنا المعاصرة. فهل يحصل لبنان على انسحاب إسرائيلي من أراضيه، مع عودة الأسرى وضماناتٍ أمنيّة، بمقابل قبول لبنان بالسلام؟ وإن حصل، هل يكون مصير الاتفاق شبيهاً باتفاق 1983، فيعاد التفاوض سنة 2070؟