الدكتور سايد حرقص

أزمة وطن أم أزمة جرأة؟

4 دقائق للقراءة

حين كتب رولف دوبلي في كتابه فن التفكير الواضح عن الأخطاء الذهنية التي تقود الإنسان إلى تبرير ما لا يُبرَّر، كان يضع إطارًا لفهم سلوك الأفراد. لكن في لبنان، تحوّلت هذه الأخطاء إلى منظومة جماعية تُدار بها أخطر القضايا، وفي مقدّمها سلاح حزب الله؛ القضية التي باتت تختصر أزمة بحجم وطن: هل نحن أمام دولة، أم أمام واقع بديل يُلغي معنى وجودها؟

على مدى أربعة عقود، لم يكتفِ الحزب ببناء قوة عسكرية، بل عمل بشكل منهجي على تأسيس بيئة متكاملة تربويًا وثقافيًا وتنظيميًا واجتماعيًا وصحيًا ودينيًا، تُنتج وعيًا خاصًا بها. مدارس، أطر شبابية، مؤسسات اجتماعية، مستشفيات، جمعيات… كلها ساهمت في تكوين مجتمع متماسك داخليًا، لكنه متمايز عن محيطه اللبناني. هذا ليس توصيفًا عابرًا، بل واقع ينعكس في اللغة السياسية، وفي المفهوم الوطني، وفي سردية الصراع، وحتى في تعريف “الوطن”.

المشكلة هنا لا تكمن فقط في وجود سلاح خارج إطار الدولة، بل في نشوء بيئة ترى هذا السلاح جزءًا من هويتها الدائمة، لا مجرد أداة ظرفية فرضها الاحتلال. وعندما يتحوّل السلاح إلى عنصر انتماء وهوية وثقافة وعقيدة، ويُرفع إلى مستوى التقديس، يصبح النقاش حوله من المحرّمات، لأنك لا تناقش خيارًا سياسيًا فحسب، بل تمسّ بمنظومة انتماء كاملة.

الأكثر خطورة هو ما يصرّح به قادة الحزب أنفسهم، وبفخر، عن الارتباط العضوي والعقائدي والسياسي والاستراتيجي والعسكري بإيران. هنا لم يعد الأمر تأويلاً من الخصوم، بل خطابًا مُعلنًا يعمّق شعور جزء من اللبنانيين بأنهم أقرب إلى الانتماء لدولة أجنبية منه إلى الانتماء للبنان. في المقابل، يتعزّز لدى بقية اللبنانيين شعور بالخوف والتوجّس داخل وطنهم، وكأنهم يعيشون إلى جانب مجتمع موازٍ لا يشاركهم الأولويات ولا تعريف السيادة.

وفق منطق كتاب "فن التفكير الواضح"، نحن أمام مزيج خطير من الأخطاء الذهنية: انحياز حاد يدفع إلى تأكيد القناعات داخل بيئة مغلقة، وإرهاب فكري يُجرِّم أي مراجعة داخلية، وتقديس للصورة الحزبية يُحوّل معتقدات البيئة الحاضنة إلى وهم الحقيقة المطلقة....والنتيجة؟ بلد مُنقسم، مُشتّت، وضائع الهوية.

الجرأة تقتضي القول إن استمرار هذا الواقع يعني استحالة قيام دولة فعلية. فالدولة لا تُبنى على توازنات هشّة وولاءات خارجية، بل على مرجعية واحدة تحتكر القرار السيادي. وكل تأجيل لمعالجة هذه الإشكالية ليس “حكمة”، بل إعادة إنتاج للأزمة بصيغة أكثر تعقيدًا.

الجرأة اليوم تكمن في قول الحقيقة المُرّة، بعدما أصبح ثمن السكوت أكبر من ثمن البوح بها. صحيح أن المنظومة الإيرانية داخل الدولة اللبنانية نجحت، في مراحل كثيرة، في تغطية وجهها الحقيقي: تارةً بالاحتماء بشعار “المقاومة”، وطورًا بالتلحّف بغطاءات سياسية، من زمن الاحتلال السوري وعهد إميل لحود، مرورًا بالوصوليين وأيتام النظام السوري وشبكات المصالح والفساد والمافيا، وصولًا إلى استثمار طموح ميشال عون الرئاسي وتوقيع اتفاق “قاعة مار مخايل”، حيث جرت مقايضة الكرسي بالوطن.

اليوم، سقطت الأقنعة، وتمزّقت الأغطية، وأصبحت الحقيقة عارية أمام وهج الشمس، ودخان الغارات، ورائحة البارود والموت.

لبنان اليوم لا يواجه فقط أزمة السلاح، بل يخوض امتحانًا وجوديًا: إما أن يعيد تعريف نفسه كدولة ذات هوية سيادية واضحة ويقطع حبل الصرة مع الطفيلي الايراني الذي يمتص خيرات الدولة لينمو عبر الاستفادة من تقديمات وزارة الصحة ، وزارة الشؤون الاجتماعية والتربية....، مرورًا بالتهريب الضريبي وتجارة الممنوعات وغيرها من الموارد التي يتغذى منها حزب الله على حساب الدولة والشعب، أو أن يكرّس واقع المجتمعات المتوازية الحالي، حيث يصبح كل حديث عن "قيامة الدولة" مجرد شعار بلا مضمون.

في النهاية، كما يذكّرنا رولف دوبلي، أخطر الأخطاء ليست تلك التي نرتكبها، بل تلك التي نُصرّ على تبريرها. وفي الحالة اللبنانية، يبدو أن المشكلة لم تعد في غياب الحلول، بل في غياب الجرأة على رؤية الحقيقة كما هي.