ليس تصريح علي فياض تفصيلًا عابرًا في لحظة سياسية متوترة، بل نص دفاعي كامل، كُتب على عجل لإخفاء ما لا يريد الثنائي الشيعي الاعتراف به: أن الشارع الذي يتحدث باسمه اليوم هو نفسه الشارع الذي جرى شحنه وتحريضه وتعميق قطيعته مع الدولة على مدى سنوات، ثم أُريد له أن ينفجر في اللحظة المناسبة، قبل أن يُطلب منه فجأة أن ينضبط عندما بدأت كلفة الانفجار ترتفع.
حين يُقال إن الشارع “عفوي” و“تلقائي”، وإن القوى السياسية لم تحرّكه، فالمقصود ليس وصف الواقع بقدر ما هو محاولة لغسل يدَي الثنائي من مسؤوليته السياسية والأخلاقية عن صناعة هذا المناخ. فالعفوية لا تُصنع بخطاب يوم واحد، لكنها أيضًا لا تولد من فراغ. وما يسمّى هنا “عفوية” ليس إلا حصيلة طويلة من التعبئة المنظمة، ومن ضخّ مشاعر الشك والعداء تجاه الدولة، ومن تصوير السلطة ككيان غريب أو متآمر أو فاقد للشرعية كلما تعارضت قراراتها مع مصالح مشروع يحكم باسم “المقاومة” مرة، وباسم “التمثيل” مرة أخرى.
الأخطر في هذا الخطاب ليس الدفاع عن الشارع، بل احتكار البراءة له ومنحه شبه قداسة سياسية. فالقول إن “الشارع على حق” وإن “بوصلته صحيحة”، ثم العودة إلى مناشدته وقف التظاهر، يكشف جوهر اللعبة كلها: ليس المطلوب حماية الشارع من الانزلاق، بل حماية الثنائي من نتائج الشارع. يريدونه غاضبًا، لكن تحت السيطرة. جاهزًا للاستدعاء، لكن غير مسموح له بأن يتحول إلى دينامية مستقلة. يريدونه أداة ضغط، لا صوتًا حرًا. لذلك يُمدح حين يُحتاج إليه، ويُجمَّد حين تبدأ مخاطره.
الحقيقة التي يجري التستر عليها هي أن أزمة الثقة بين الناس والدولة لم تصنعها “السلطة” وحدها، بل صنعها، بدرجة كبيرة، هذا الثنائي نفسه. هو من أمضى سنوات في تقويض صورة الدولة داخل بيئته. وهو من شرّع الازدواجية بين دولة يُطلب منها أن تبقى ضعيفة ومقيّدة، ومنظومة حزبية ـ أمنية ـ سياسية تُقدَّم بوصفها المرجع الفعلي والحامي والضامن. وهو من غذّى، عبر مسؤوليه ومنابره وأذرعه الإعلامية، فكرة أن الدولة لا تُوثق إلا حين تخضع، ولا تُحترم إلا حين تطيع، ولا تُقبل إلا حين لا تمسّ حدود النفوذ المرسومة لها.
ومن هنا، فإن الحديث عن “أزمة ثقة عميقة” ليس وصفًا بريئًا لواقع قائم، بل اعتراف غير مباشر بأحد أبرز إنجازات الثنائي الشيعي في الحياة اللبنانية: تحويل جزء من اللبنانيين من مواطنين يُفترض أن يروا في الدولة مرجعهم الطبيعي إلى جمهور خائف منها، شاكّ فيها، ومعبّأ ضدها كلما استدعت الحاجة السياسية ذلك. هذه ليست أزمة طارئة. هذه سياسة. وليست نتيجة خطأ عابر، بل ثمرة مشروع كامل قام على الإمساك بالدولة من الخارج لا الانخراط فيها من الداخل؛ على إضعافها لا بنائها؛ وعلى استخدام مؤسساتها حين تخدم، والطعن فيها حين تقرر أن تكون دولة فعلًا.
لذلك، لا يجوز قراءة البيان المشترك الذي صدر قبل أيام عن حركة أمل وحزب الله بوصفه دعوة بريئة إلى التهدئة. فالبيان، الذي دعا إلى الامتناع عن التظاهر بحجة حماية الاستقرار والسلم الأهلي، صدر في لحظة شديدة الحساسية تتصل بالتحركات في الشارع، وبالتحذيرات من أي مسّ بالسلم الأهلي، وبمسار سياسي مفتوح على تعقيدات داخلية وإقليمية بالغة الدقة. ومن هذا المنطلق، بدا التصريح اللاحق محاولة لتفسير ذلك البيان وتبريره سياسيًا: تبرئة الشارع من جهة، وتأكيد “صحة بوصلته” من جهة ثانية، ثم إعادة ضبطه تحت سقف قرار الثنائي. وهكذا، لم يأتِ الكلام اللاحق ليناقض البيان، بل ليكمّله: البيان أوقف الشارع، والتصريح حاول الاحتفاظ بشرعيته.
ما أخاف الثنائي لم يكن فقط احتمال الفتنة، بل احتمال الافتضاح. أخافه أن يتحول الشارع، بدل أن يكون دليل قوة، إلى مرآة تعب. وأخافه أن يستمر التحرك من دون أن يحقق صورة الزخم التي يريدها، فيُقرأ لا كرسالة هيبة، بل كإشارة تراجع. وأخافه أكثر أن يذهب بعيدًا في الشحن، فيجد نفسه أمام شارع يحرجه أكثر مما يخدمه، أو أمام دولة مضطرة إلى أن تستعيد بعضًا من قرارها وسيادتها في لحظة إقليمية وداخلية لا تحتمل التمويه. وهنا تحديدًا يُفهم الجمع بين تبرئة الشارع وتمجيده وكبحه في آن واحد: محاولة لإنقاذ صورة الحزب من دون خسارة ورقة الشارع.
في هذه اللحظة، لا يدير الثنائي الشيعي اعتراضًا شعبيًا بقدر ما يدير أزمة مشروع. مشروع قام لسنوات على أن الدولة يجب أن تبقى ناقصة كي يبقى كاملًا، وعلى أن الشرعية يجب أن تبقى منقوصة كي تبقى له شرعية موازية، وعلى أن الخوف يجب أن يبقى حيًا كي يبقى هو “الضمانة” و“الدرع” و“السياج”. لهذا السبب لا يبدو هذا الخطاب دفاعًا عن الشارع، بل دفاعًا عن منظومة تخاف من الدولة عندما تقرر أن تكون دولة، وتخاف من جمهورها عندما لا يعود مجرد صدى لأوامرها.
الحقيقة الأوضح هي أن من حرّض الشارع لا يملك اليوم حق الكلام باسمه كأنه بريء منه. فالثنائي الشيعي لم يكن شاهدًا على أزمة الثقة بين الناس والدولة، بل كان أحد أبرز صنّاعها. ولهذا، لا يحق له أن يتحدث عن السلم الأهلي وهو الذي غذّى الانقسام، وعمّق الشك بالدولة، ودفع الناس إلى النظر إلى مؤسساتها كخصم لا كمرجعية. من يحمي السلم الأهلي لا يحرّض على الدولة. ومن يخوض معركة وطنية لا يبني نفوذه فوقها، ولا يحتكر القرار والسلاح والرواية.
ما انكشف هنا ليس أزمة سلطة بقدر ما هو أزمة الثنائي الشيعي نفسه. انكشف مشروع أمضى سنوات يصنع القطيعة مع الدولة، ويغذّي الشك بها، ويستثمر في خوف الناس وغضبهم، ثم خرج فجأة يدّعي البراءة من شارع هو أحد أبرز من صنعه. وهنا لم تعد المشكلة في تصريح مرتبك أو في بيان متناقض، بل في منظومة كاملة لم تبنِ للدولة ثقة، بل بنت على أنقاضها نفوذًا، ولم تحمِ الناس من الانقسام، بل جعلت الانقسام إحدى أدوات بقائها.
وما يقال اليوم ليس دفاعًا عن الناس، بل محاولة متأخرة لإخفاء مسؤولية ثنائي يتقاسم كل شيء: النفوذ حين يتضخم، الشارع حين يُستنفَر، التحريض حين يُحتاج إليه، ثم التنصّل عندما تبدأ لحظة الانكشاف. وهذه هي الحقيقة التي سقط فيها الخطاب كله: ليس الثنائي الشيعي ضحية أزمة الثقة مع الدولة، بل أحد كبار صانعيها. وليس حارس السلم الأهلي كما يدّعي، بل أحد الذين استثمروا طويلًا في توتير العلاقة بين الدولة وناسها، ثم خرجوا يطلبون التهدئة عندما خافوا من ارتداد النار عليهم.
لهذا، فإن ما صدر لا يُقرأ بوصفه دفاعًا عن الشارع، بل بوصفه وثيقة إدانة سياسية بحق ثنائي تقاسم النفوذ، وتقاسم التحريض، ويتقاسم اليوم انكشاف مشروعه. لقد أمضى سنوات يزرع الشك بالدولة، ويهدم ثقة الناس بها، ويقدّم نفسه بديلًا منها، ثم خرج عند أول اختبار جدي يشكو من أزمة ثقة هو أحد أبرز صانعيها. وهنا تسقط الذرائع دفعة واحدة: لا الشارع بريء من التحريض، ولا الثنائي بريء من استخدامه، ولا التهدئة تعبير عن مسؤولية وطنية، بل عن خوف سياسي من أن يتحول الشارع، الذي استُخدم طويلًا أداة ضغط، إلى شاهد اتهام.
هذه ليست سقطة في تصريح، بل سقطة مشروع. وليست مجرد مفارقة في خطاب، بل لحظة انكشاف كاملة لثنائي لم يعرف كيف يبني دولة، فأجاد فقط أن يبني نفوذًا على حسابها.