جويل غسطين

لقطاته جزء من الذاكرة الجماعيّة

ماهر عطّار: الصورة تُقلِق السُّلطة لأنها تكشف المخفيّ

6 دقائق للقراءة

بينما تسيطر الحرب التي أدخل فيها "حزب اللّه" لبنان، على تفاصيل الحياة اليومية للّبنانيّين ويكاد القطاع الفني يختنق تحت ثقل الأزمات، تبرز في البلد مساحات للإبداع تحاول قول ما يختلج في النفوس والتعبير عمّا هو أبعد وأعمق من السياسة الآنيّة. في قلب هذه المشهديّة، يقدّم المصوّر اللبناني الفرنسي ماهر عطّار، تجربة مختلفة لا تكتفي بعرض الفن، بل تحوّله إلى فعل مقاومة ثقافية حيّة تجمع بين الصورة واللوحة.

المصوّر المعروف ماهر عطّار، هو مؤسّس المساحة الفنيّة "The Art District" في الجمّيزة - بيروت، اختار في هذه الفترة الصعبة عدم الركون إلى الواقع المزري الذي يعيشه البلد إنما الإبقاء على النفس الفنيّ حاضرًا في حياة العاصمة. يقول عطّار في حديث مع "نداء الوطن" إن الندوات التي يستضيفها معرضه الفني أسبوعيًّا منذ بداية الحرب الحالية في لبنان، ليست مجرّد لقاءات ثقافية عابرة، بل هي أشبه بنبضٍ جماعيّ يرفض الانطفاء، بحيث تتحوّل الثقافة إلى موقف وفعل مقاومة هادئ وعميق للواقع، يُصاغ بِلغة الفن والذاكرة والأسئلة. بذلك يتحوّل كل لقاء ثقافي إلى تحدّ للواقع ورفض للاستسلام وإعلان غير مباشر أن هذه المدينة تحبّ الحياة.


تاريخ من الصمود

المقاومة الثقافية، بالنسبة إلى عطّار، ليست مفهومًا نظريًّا بل امتدادًا طبيعيًّا لتاريخ طويل من صمود الشعوب. ففي كلّ حرب، كانت الثقافة الشاهد الذي لا يموت، والذاكرة التي لا تُمحى. ومن خلال ندوات مركزه الثقافيّ، لا يكتفي الفنانون بسرد الحكايات بل يوثقون لحظة قاسية يعيشونها بكل تفاصيلها، تاركين أثرًا يتجاوز اللحظة إلى ما بعدها.

والفنان اللبناني، كما يراه عطّار، ليس مراقِبًا من بعيد بل جزءًا من المشهد، متورِّطًا فيه إنسانيًّا ووجوديًّا. هو مقاوم لكونه اختار أن يبقى، أن يخلق ويُبدع ويُحوِّل الفوضى إلى شكل، والألم إلى صورة، والانكسار إلى معنى. في بلدٍ لا يعرف الاستقرار، يصبح الفن ضرورة يوميّة، شبيهة بالتنفس، لا رفاهية يمكن الاستغناء عنها.

بين الرّكام والتقلّبات يولد العمل الفني كوثيقة، بحسب عطّار، لا فقط تعبيرًا عن الذات بل شهادة على زمنٍ كامل. شهادة تحفظ ما قد يُنسى، وتروي للأجيال المقبلة حكاية بلدٍ لم يتوقف عن النزف، وفي الوقت نفسه لم يتوقف عن الإبداع.


الجيل الجديد

أمّا الرهان الأكبر، كما يشير ماهر عطّار، فيبقى على الجيل الجديد. يقول إن الفنانين الشباب اليوم لا يقفون في ظلّ من سبقهم، بل في قلب اللحظة نفسها. هم صوت الحاضر، ومرآة ما يحدث الآن. وكما كان هو شاهدًا على عدّة حروب، أبرزها الحرب الأهليّة (1975) وما تلاها، يرى عطّار في الجيل الحاليّ امتدادًا لهذه الشهادة، ولكن بِلغتهم الخاصة وأدواتهم المختلفة، أكان عبر الصورة أو اللون أو الكلمة. هم لا ينقلون الواقع فقط بل يعيدون تشكيله ويمنحونه بُعدًا إنسانيًّا أعمق، ويصوغون منه ذاكرةً حيّة. ومن خلال هذا الدَّور يتحوّلون إلى ما يشبه السفراء، يحملون وجع هذا البلد وأمله إلى العالم، تاركين أثرًا لا يُقاس باللحظة بل بما يبقى بعدها.


من التصوير إلى التشكيل

الجدير بالذكر أن عطّار حين افتتح هذا الفضاء الثقافيّ عام 2021، كان يسعى لتكريسه بالكامل للتصوير الفوتوغرافي، إيمانًا منه بأهمية الصورة كلُغة قائمة بذاتها، قادرة على التعبير، والمواجهة، والتوثيق. يومها، كانت الصورة هي المحور والرهان والمساحة التي تُبنى حولها كلّ التجربة.

لكن بعد الحرب ما قبل الحالية، سنة 2024، أعاد المصوّر الفوتوغرافي طرح أسئلة عن قدرة الفن على التغيير وعن أيّ لغة باتت قادرة على احتواء هذا الثقل الذي يحمله الواقع اللبناني. هنا، لم يعد الاكتفاء بِلُغة فنيّة واحدة كافيًا، فقرّر عطّار توسيع المساحة لتشمل الرسم والنحت، ليس كبديل عن التصوير بل كامتداد له، وكأن كلّ فنّ يحاول أن يُكمل ما تعجز عنه اللغة الفنيّة الأخرى.

لم تُلغَ المساحة المخصّصة للصورة بل بقيت في قلب المشهد محافِظَة على حضورها وقوّتها، لكنها دخلت في حوار بصريّ مع أشكال تعبيرية مختلفة، أغنت التجربة ووسّعت أفقها.


مصوّر لا رسّام

لكن على الرغم من هذا الانفتاح على الفنون التشكيلية، يصرّ ماهر عطّار على تعريف نفسه ببساطة: "أنا لستُ رسّامًا، بل مصوّرًا فوتوغرافيًّا". اعتراف لا يخلو من شغفٍ دفين بالرسم، ذلك الفن الذي يقدّره بعمق، حتى وإن لم يمارسه بأدواته التقليدية. فخبرته الطويلة مع الصورة منحته حسًّا بصريًا يمكّنه من قراءة اللوحة وتلمُّس قوّتها وتقدير صياغتها.

شغفه ينعكس أيضًا في دعمه المستمرّ للفنانين الشباب، خصوصًا الرسّامين الناشئين الذين يرى فيهم طاقة جديدة، وجرأة على إعادة تشكيل المشهد الفني برؤى مختلفة. بالنسبة إليه، هؤلاء ليسوا مجرّد امتداد بل بداية أخرى تحمل ملامح مستقبل يتكوّن الآن.

إنما في مكانٍ ما بين الصورة واللوحة، يعترف عطّار أنه يرسم لكن بطريقته. ليس بالفرشاة، بل بالضوء. يتعامل مع الكاميرا كما لو كانت أداة تشكيل، ومع الإضاءة كريشة يصوغ بها عوالمه البصرية. ففي كل لقطة، ثمّة محاولة لبناء لوحة، ولحظة عابرة تتحوّل إلى أثرٍ دائم.


الصورة ماضيًا وحاضرًا

ماهر عطّار الذي رسّخ اسمه في مجال التصوير الصحافي منذ أيام الحرب الأهلية اللبنانية، من خلال لقطاتٍ أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية، أشهرها صورته الأيقونيّة لسيّدة مبتورة القدم على عكّازها برفقة ابنتها التي تشترك معها في الإصابة نفسها، يؤكّد أنّ الصورة لا يمكن حصرها بدورٍ واحد، فهي رغم قدرتها على التأثير تبقى في جوهرها وسيلة توثيق تثبّت ما حدث وتحوّله إلى شهادة يصعب إنكارها، ما جعلها دائمًا مصدر قلق للسُّلطة لأنها تكشف المخفيّ.

هذه القوّة تواجه اليوم تحدّيًا غير مسبوق. فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والكاميرا في يد كلّ إنسان، تغيّرت علاقة الناس بالصورة، ولم تعد اللقطة ثمرة مغامرة كما في السابق، بل أضحت سهلة وسريعة الإنتاج والاستهلاك، ما أفقدها جزءًا من عمقها وفتح المجال لاستخدامات سطحية وأحيانًا مضلِّلة.

ومع انتشار الصور المركّبة والمولّدة اصطناعيًّا، بات التمييز بين الحقيقي والمزيّف أكثر صعوبة. يرى عطّار أن هذه ليست صورًا حقيقية، بل بناءات بصريّة تفتقر إلى التجربة الإنسانية التي تمنح الصورة قيمتها. ويحذّر من أن فقدان الصورة للصدقيّة لا يقتصر على الجانب التقنيّ بل يمسّ الوعي الجماعي، إذ تتحوّل من شاهد على الحقيقة إلى أداة لتزييفها، ما يشكّل خطرًا على فهم الواقع نفسه.

في المحصّلة، لا يقتصر مشروع ماهر عطّار على كونه تجربة فنية، بل هو محاولة لحفظ المعنى في زمن تتراجع فيه صدقيّة الصورة. وبين فن يُرسَم بالضوء وذاكرة تُصان بالصورة، تبقى المشهديّة البصريّة شاهدة وربما صانعة للتغيير.