مايز عبيد

التوك توك يخرج عن السيطرة ويربك طرقات الشمال: فوضى مرورية تتوسّع إلى القرى

4 دقائق للقراءة

فيما عاد ملف "التوك توك" ليشكّل عنوانًا متكرّرًا للفوضى المرورية في شمال لبنان، تبرز حادثة إزالة عدد من هذه المركبات من محيط السراي العتيق في طرابلس كحلقة جديدة في سلسلة محاولات ضبط هذا الواقع المتفاقم.

فقد نفّذت دورية من قوى الأمن الداخلي حملة لإزالة مركبات التوك توك من محيط المنطقة، بعد شكاوى متكرّرة من تجار وأصحاب محلّات، ركّزت على الازدحام الذي تسبّبه هذه المركبات داخل نقطة تُعدّ من أكثر المناطق حساسية في حركة السير داخل المدينة، نظرًا لطبيعتها الإدارية والتجارية وكثافة الحركة فيها.

لكن هذه الخطوة، رغم أهميّتها الميدانية، تعكس مشكلة أوسع وأكثر تعقيدًا، تمتدّ من طرابلس إلى عكار والمنية والضنية وزغرتا والكورة وسائر مناطق الشمال، حيث تحوّل التوك توك خلال السنوات الأخيرة إلى وسيلة نقل منتشرة على نطاق واسع، فرضتها الظروف الاقتصادية الصعبة وغياب البدائل المنظمة للنقل العام.

ومع اتساع انتشاره، لم يعد الأمر يقتصر على كونه وسيلة نقل شعبية، بل بات مصدر شكاوى يومية من السكان، نتيجة ما يرافقه من فوضى مرورية متكرّرة، وازدحام في شوارع ضيقة أصلًا لا تحتمل هذا النوع من الكثافة. كما يثير التوك توك حفيظة الأهالي بشكل متزايد، لا سيّما مع غياب الالتزام الواضح من قبل عدد من السائقين بقواعد السلامة المرورية، سواء من حيث احترام أصول السير أو تنظيم التوقف والتحميل والتنزيل.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع الانتشار الكبير لهذه المركبات على مفارق الطرقات ومداخل البلدات، حيث أصبحت مشهدًا يوميًا يفرض نفسه على الحركة العامة، ما يؤدّي إلى حالة من الازدحام والفوضى في نقاط يُفترض أن تكون ممرّات أساسية لانسياب السير بين القرى والبلدات، إضافة إلى توسّع انتشارها على الأوتوسترادات العامة حيث يُفترض أن تكون الحركة أكثر انسيابية وتنظيمًا، ما يزيد مستوى الخطر والارتباك المروري.

ويُسجَّل في هذا السياق أن هذه المركبات تشهد انتشارًا متزايدًا بشكل لافت، يكاد يوصف بالهستيري، حيث بات كلّ من لا يملك عملًا يلجأ إلى شراء أو استئجار "توك توك"، ليصبح سائقًا على خطوط نقل غير منظمة، في ظلّ غياب أي إطار قانوني واضح أو ضوابط تحدد آلية العمل أو شروط السلامة، ما يفاقم حالة الفوضى على الطرقات.

وتتزايد في المقابل الحوادث المرتبطة بهذه المركبات، كما تتكاثر التجاوزات للقوانين والأنظمة، بعدما عاثت في الطرقات فوضى وإزعاجًا، سواء من حيث القيادة العشوائية أو عدم الالتزام بقواعد السير، ما ينعكس توترًا متصاعدًا لدى السكان في مختلف المناطق.

إلى ذلك، تتحدث شكاوى من الأهالي عن تجاوزات متعدّدة تُنسب إلى بعض السائقين، لا تقتصر على المخالفات المرورية فحسب، بل تمتدّ بحسب روايات الأهالي إلى سلوكيات مثيرة للمشاكل والإزعاج داخل الأحياء، من خلال القيادة المتهوّرة، ورفع أصوات المحرّكات والموسيقى بشكل مبالغ فيه، إضافة إلى اتهامات متداولة بانتشار بعض السلوكيات المخالفة للقانون في حالات معيّنة، ما يزيد حالة التوتر والرفض الشعبي لهذه الظاهرة.

لماذا تراجع الحجار؟

وفي هذا السياق، يبرز تساؤل لدى عدد من المتابعين حول أسباب التراجع عن القرار الذي كان قد اتخذه وزير الداخلية أحمد الحجار سابقًا، والقاضي بمنع سير هذه المركبات وإلزامها بالتسجيل واحترام الأطر القانونية، وسط غياب واضح لتنفيذ حازم أو خطة مستدامة لضبط هذا القطاع في مختلف مناطق الشمال، ما يجعل المعالجة الحالية تبدو ظرفية أكثر منها استراتيجية.

وتُضاف إلى ذلك مقاربة أوسع يرى فيها مراقبون أن هذه المركبات الهجينة، التي دخلت في الأصل كحلّ موقت لأزمة المحروقات وارتفاع كلفة التنقل قبل سنوات، تحوّلت مع الوقت إلى جزء من الأزمة نفسها، بعدما توسّع استخدامها بشكل غير منظم، من دون إطار قانوني واضح يضبط عملها أو يحدّد شروط انتشارها.

في المقابل، يرى كثيرون أن التوك توك أصبح جزءًا من الواقع الاقتصادي والاجتماعي في هذه المناطق، حيث يوفر مصدر رزق لشريحة من الشباب في ظلّ الانكماش الاقتصادي وارتفاع معدّلات البطالة. وهذا ما يجعل أي محاولة لتنظيمه أو الحدّ منه معقدة، وتحتاج إلى مقاربة شاملة لا تقتصر على المعالجة الأمنية فقط.

وبين ضرورات ضبط الفوضى المرورية من جهة، وواقع الحاجة الاقتصادية من جهة أخرى، يبقى التحدّي الأساسي في إيجاد إطار تنظيمي واضح يحدّ من الفوضى، ويضمن الحدّ الأدنى من شروط السلامة العامة، بما يحفظ حق المواطنين في التنقل الآمن، دون الإضرار بمصدر رزق العاملين في هذا القطاع غير المنظم.