المحامي رفيق اورى غريزي

بين جمارك الناقورة ومكوكيات هوكشتاين: هل بقي من "هدنة 1949" إلا الأطلال؟

4 دقائق للقراءة

بينما تنشغل الصالونات السياسية اليوم بتفكيك شيفرات الرسائل التي يحملها الموفدون الدوليون، وبينما يقف لبنان على "إجر ونص" بانتظار ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، يعود بنا شريط التاريخ إلى آذار من عام ١٩٤٩. هناك، في مكتب جمارك الناقورة المتواضع، لم يكن لبنان يوقع مجرد "ورقة" لفض اشتباك، بل كان يثبت وثيقة ولادة لسيادته الحدودية في زمن كانت فيه الدولة "دولة"، والجيش هو الناطق الرسمي الوحيد باسم الميدان.

مشهدية الناقورة: حين فاوضت "البذلة العسكرية"

خلافاً لبقية العواصم العربية التي شدّت الرحال إلى جزيرة رودس، كان للبنان كبرياؤه الجغرافي؛ أصرّ أن تكون المفاوضات على ترابه، عند نقطة التماس مباشرة. في 23 آذار 1949، جلس الوفد اللبناني برئاسة المقدم توفيق سالم والمقدم جوزيف حرب، وجهاً لوجه مع الوفد الإسرائيلي. لم يكن هناك سياسيون ولا ممثلو محاور إقليمية. كانت مفاوضات "عسكرية صرفة" تحت رعاية الوسيط الدولي رالف بانش، والهدف واضح: إنهاء العمليات القتالية واستعادة السيادة على ١٥ قرية لبنانية احتلها الإسرائيليون في "عملية حيرام".

نجح لبنان حينها فيما فشل فيه غيره؛ انتزع اعترافاً صريحاً في المادة الخامسة بأن خط الهدنة هو ذاته "الحدود الدولية لعام 1923". كانت تلك اللحظة هي "العصر الذهبي" للدبلوماسية العسكرية اللبنانية، حيث تم تثبيت "الخط الأخضر" كمرجع قانوني لا يزال لبنان يتمسك به حتى اليوم في نزاعه على النقاط ال١٣ المتحفظ عليها.

الرأي العام: انقسام "تحت سقف الدولة"

لم تمر الاتفاقية دون صخب في بيروت. الرأي العام اللبناني كان حينها يغلي؛ القوى القومية واليسارية رأت في الجلوس مع "العصابات الصهيونية" طعنة للقضية، لكن السلطة اللبنانية كانت تملك تبريرها الواقعي: "الهدنة ليست سلاماً". كانت الأجواء تميل لترتيب البيت الداخلي وتخفيف العبء العسكري عن جيش ناشئ، مع ضمان عدم التفريط بشبر واحد من الأرض. الفارق الجوهري أن المعارضة والموالاة حينها، اختلفوا على "الوسيلة" واتفقوا على أن "الدولة" هي المرجعية.

زمنان.. وهويتان للمفاوض

اليوم، ونحن نحاول استنساخ تلك اللحظة، نصطدم بحقائق مرة تجعل المقارنة بين 1949 وبين وقف اطلاق النار اليوم مقارنة بين "الدولة" و"الدويلة".

في 1949، كان المقدم توفيق سالم يوقع وهو يعرف أن خلفه جيشاً يأتمر بأمر بعبدا؛ أما اليوم، فالمفاوض اللبناني يذهب إلى الطاولة وعينه على "حارة حريك"، مدركاً أن القرار الميداني هو "فاعل غير حكومي" يربط جبهة الناقورة بجبهة غزة، ويرهن "الهدنة" بملفات إقليمية كبرى تتجاوز حدود الليطاني.

إسرائيل أيضاً تغيرت؛ في الـ 49 كانت تبحث عن "شرعية الحدود"، اليوم تبحث عن "تغيير الواقع الجغرافي". لم تعد تكتفي بالهدنة، بل تطالب بمنطقة عازلة وتجريد سلاح، وهو ما يحول المفاوضات من "ترتيب عسكري تقني" إلى "إعادة صياغة للهوية الوطنية".

الوسيط الضائع والغاز المكتشف

حتى "رالف بانش" الأممي، استُبدل اليوم بوسطاء يرتدون بدلات "البزنس" النفطي. دخل الغاز والترسيم البحري كعنصر ضغط جديد لم يكن موجوداً في حسابات جيل 1949. بات التفاوض اليوم يتم عبر "رسائل مكوكية" غير مباشرة، وكأننا نخشى الجلوس على الطاولة التي جلسنا عليها قبل سبعة عقود بكل ثقة.

الخلاصة المرة

إن ما جرى في 1949 كان نموذجاً للدولة التي تحمي حدودها بالقانون الدولي والعقيدة العسكرية. أما ما يجري اليوم، فهو محاولة لترقيع ثوب السيادة المهترئ. الفرق بين "هدنة رودس" و"تسويات اليوم" هو الفرق بين وطن كان يملك "خريطة"، ووطن باتت خرائطه تُسمّم بـ "قواعد الاشتباك" و"توازن الردع".

رحم الله جيل 1949، الذين وقعوا في الناقورة وهم يظنون أنهم يبنون حدوداً نهائية، ولم يدركوا أننا سنصل إلى زمن نتباكى فيه على "اتفاقية هدنة" لأننا لم نعد نملك ترف التوقيع على ما يشبهها، والفضل كل الفضل في ذلك يعود لمقاومة لم تقاوم إلا كل الجهود لبناء الدولة في لبنان.