لم يعد ما يجري في لبنان مجرد تراجع نفوذ، بل تحوّل بنيوي يضرب عمق التوازنات. فما نشهده اليوم ليس "تعديل تموضع" بل إعادة تعريف كاملة لدور "حزب الله" داخل المعادلة اللبنانية. الحزب الذي لسنوات طويلة قُدِّم كـ"دولة داخل الدولة"، يقف اليوم أمام أخطر اختبار وجودي منذ نشأته. ليس لأن خصومه أقوى، بل لأن البيئة التي سمحت له بالتمدّد بدأت تنكمش، والوظيفة التي بُني عليها مشروعه دخلت مرحلة الاستنزاف. المشهد تغيّر والتوصيف القديم لم يعد يصمد أمام الواقع.
والصراع لم يعد بين مشروعين سياسيين، بل بين فكرتين متناقضتين للدولة نفسها، دولة تُبنى و دولة تُختطف ولم يعد ممكناً التجميل أو التلطّي خلف شعارات المقاومة أو السيادة، والحقيقة اليوم أكثر فجاجة من أن تُخفى. هناك طرف حمل السلاح يوماً ثم وضعه عندما انتهت الحرب، وطرف يحمل السلاح اليوم ويرفض أن تنتهي الحرب أصلاً.
فالقوات اللبنانية سلاح انتهى ومشروع بدأ ومهما اختلفت الآراء حول القوات اللبنانية، تبقى حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها
هذا التنظيم الذي كان جزءاً من الحرب، إتخذ أجرء قرار في العالم وسلّم سلاحه ودخل الدولة وتحوّل إلى حزب سياسي، فمن بندقية إلى خطاب سياسي، ومن جبهة إلى مؤسسة. قد يُنتقد، قد يُعارض، وقد يُرفض، لكن لا يمكن اتهامه بأنه يحتفظ بدولة داخل الدولة، وهو اليوم يطالب بدولة لأنه أصبح جزءاً منها.
أما "حزب الله" فسلاح بلا نهاية ودولة معلّقة ويقف في موقع مختلف تماماً، فالحزب لم يتعامل مع السلاح كمرحلة بل كهوية ولم يعتبر الحرب ظرفاً بل حالة دائمة، وكلما اقترب لبنان من فكرة الدولة، عاد الحزب ليذكّره أن القرار ليس هنا، وقرار الحرب ليس بيد الدولة، وقرار السلم ليس بيد الدولة، وقرار الحدود ليس بيد الدولة، وأي دولة هذه التي لا تقرر مصيرها؟
فالفرق الجوهري هو من قاتل لينهي الحرب، ومن يحتاج الحرب ليستمر، فالقوات اللبنانية قاتلت في حرب ثم خرجت منها، اما "حزب الله" قاتل في حرب ثم احتاج حروباً جديدة ليبقى، الأول انتهى دوره العسكري عندما انتهت مبرراته، أما الثاني يخلق المبررات ليبقي دوره. وهنا يكمن الفارق القاتل بين : واحد اعتبر الدولة نهاية الطريق والثاني يرى في الدولة مجرد تفصيل.
فهل الولاء للبنان أولاً أم مشروع أكبر من لبنان ولمن يُسلم القرار؟ القوات اللبنانية، بكل ما لها وما عليها، تعمل داخل الإطار اللبناني. أما "حزب الله" فقراره يتجاوز لبنان، وهو مرتبط بمحور، بعقيدة، باستراتيجية إقليمية لا ترى في لبنان إلا ساحة. وهنا يصبح الصراع أخطر من مجرد خلاف داخلي، ويصبح صراع على هوية البلد نفسه، لكن الحقيقة التي لا يريد أحد قولها أنه لا يمكن بناء دولة بوجود سلاحين، ولا يمكن الحديث عن سيادة بقرارين، ولا يمكن إقناع شعب بالجوع، بينما الحرب تُدار باسمه، فلبنان اليوم لا يُدمَّر لأنه ضعيف، بل لأنه ممزّق بين مشروعين لا يلتقيان.
ففي الميدان، الحقيقة أكثر وضوحاً من أي خطاب سياسي، والمعطيات تشير إلى أن الحزب ينزلاق تدريجيا نحو نموذج حرب العصابات، ومجموعات صغيرة بدل تشكيلات واسعة، سرية مطلقة في الاتصالات، تراجع الظهور القيادي، اعتماد تكتيكات الاختفاء بدل السيطرة، وهذا ليس خياراً تكتيكياً بقدر ما هو استجابة اضطرارية.
فالضربات التي طالت البنية العسكرية، لم تُضعف القدرات فقط بل كسرت نمط العمل نفسه، فحين تتحول قوة شبه نظامية الى خلايا متناثرة، فهذا يعني شيئاً واحدا القدرة على السيطرة تراجعت وتم استبدالها بالقدرة على البقاء.
وهنا يبدأ أخطر تحوّل من لاعب يفرض قواعد الاشتباك، إلى طرف يحاول تفادي الانكشاف، وسياسياً النفوذ لم يسقط، لكنه لم يعد حاسماً.
ففي السياسة، الصورة أكثر تعقيداً وأقل ضجيجاً فخسارة الأغلبية البرلمانية في الإنتخابات النيابية القادمة ستكون حتمية، وتراجع القدرة على فرض “الثلث المعطل” سيكون أمر واقع، ولن تكون مجرد انتكاسة رقمية بل كسر احتكار القرار.
أما الدولة اللبنانية التي كانت تتجنب الملفات “المحظورة”، بدأت تقترب منها كمسارات تفاوضية كانت مغلقة، ونقاشات سيادية كانت مؤجلة، وتوازنات داخلية بدأت تعيد تشكيل نفسها، لكن الحقيقة الأعمق أن نفوذ الحزب لم يختفِ بل تغيّر شكله، فهو لم يعد يمسك بالقرار مباشرة، بل يتسلل إليه عبر شبكة معقدة من المصالح، داخل مؤسسات أمنية، ومفاصل قضائية، وشبكات اقتصادية، وهذه ليست سلطة أيديولوجية فقط بل هندسة نفوذ مبنية على المصالح.
وإذا كان الخارج يضغط عسكرياً، فالداخل بدأ يضغط بصمت أخطر، الجنوب المدمر، كلفة النزوح، الانهيار الاقتصادي كلها عوامل رفعت سقف التوقعات داخل البيئة الحاضنة، والسؤال لم يعد عن المقاومة بل عن القدرة على تحمّل كلفة الاستمرار.
فحين تبدأ البيئة بالسؤال ماذا ربحنا؟ وماذا خسرنا؟ يصبح السلاح نفسه تحت المراجعة لا كأداة قوة بل كعبء، وهذا التحول أخطر من أي ضربة عسكرية.
واليوم، يقف "حزب الله" أمام مفترق لا يحتمل المناورة، دولة موازية تنكمش تدريجياً أو تنظيم ميداني يتقن الاختباء ويعيد إنتاج نفسه كشبكة لا كسلطة.
والمشكلة أن الجمع بين الاثنين لم يعد ممكناً، فالدولة تحتاج وضوحاً، والتنظيم يحتاج ظلّاً، فما يحدث ليس نهاية "حزب الله" بل نهاية النسخة التي عرفها لبنان، فنحن أمام مرحلة انتقالية خطيرة، لا الحزب قادر على السيطرة كما في السابق، ولا الدولة قادرة بعد على ملء الفراغ بالكامل، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، فحين يتراجع لاعب كبير دون أن يظهر بديل واضح، فلا يولد توازن بل يولد فراغ وفي لبنان الفراغ لا يبقى فراغاً بل يتحول سريعاً إلى ساحة.
الخلاصة التي يجب فهمها هي لا منطقة رمادية بعد اليوم، إما دولة واحدة أو دويلات تتقاتل تحت اسمها، وإما قرار لبناني أو قرارات تُتخذ في الخارج وتُنفَّذ في الداخل، وكل من يحاول التوسط بين الاثنين فهو شريك في إطالة الانهيار.
وبعيداً عن الشعارات الكبيرة، هناك حقيقة يجري دفنها عمداً أكبر من دفع ثمن هذا السلاح هم الشيعة أنفسهم،
الجنوب الذي تحوّل إلى خط مواجهة دائم، الضاحية التي تُستنزف اقتصادياً واجتماعياً، والبيئة التي يُطلب منها دائماً أن تتحمّل أكثر من غيرها ليست تفاصيل بل فاتورة مفتوحة، وسنوات من الحروب والعقوبات والعزلة، لم تُدفع كلفتها من قيادات بل من ناس عاديين. بيوت تُهدم وتُعاد على حسابهم، وفرص تُغلق أمام شبابهم، وإقتصاد يُخنق في مناطقهم قبل غيرها، والسلاح الذي يُقدَّم كحماية تحوّل تدريجياً إلى عبء يومي، والسؤال الذي بدأ يُهمس به داخل البيوت، لا على الشاشات، هل هذا السلاح يحمي الناس أم يطلب منهم أن يدفعوا ثمن بقائه؟ لأن الحقيقة الصعبة هي التالية فحين تصبح طائفة كاملة مرتبطة بخيار عسكري دائم، فهي لا تربح قوة بل تخسر حقها في الحياة الطبيعية.
اما في لبنان، لم يعد السؤال من الأقوى، بل من يجرؤ على قول الحقيقة، والحروب لم تعد تُخاض فقط على الجبهات، بل داخل البيوت، داخل العقول، داخل الطوائف نفسها، والأخطر أن الجميع يعرف لكن القليل منهم فقط يتكلم، والحقيقة اليوم بسيطة وقاسية.
لا يمكن لوطن أن يعيش بنصف سيادة ولا يمكن لشعب أن يستمر بنصف حياة، والسلاح الذي لم يعد يحرر أرضاً ويكلّف شعباً يتحوّل من قوة إلى عبء، ومن حماية إلى خطر ومن يراهن على الوقت ليحلّ الأمور، ينسى أن الوقت في لبنان لا يعالج الأزمات بل يُعمّقها ويجعل ثمنها أعلى.
فلا يمكن بناء دولة بوجود سلاحين، ولا يمكن الحديث عن سيادة بقرارين، ولا يمكن إقناع شعب بالجوع بينما الحرب تُدار باسمه. لبنان اليوم لا يُدمَّر لأنه ضعيف، بل لأنه ممزّق بين مشروعين لا يلتقيا، واليوم هو أمام لحظة لا تحتمل التأجيل، إما أن يُعاد القرار إلى الدولة بالكامل، أو أن يبقى البلد معلقاً بين حرب لا تنتهي ودولة لا تولد. وكل من يحاول التوسط بين الاثنين هو شريك في إطالة الانهيار.
فلبنان بين من سلّم السلاح ليبني دولة ومن يتمسّك بالسلاح ليهدمها. فالقوات اللبنانية سلّمت سلاحها لأن الحرب انتهت، و"حزب الله" يتمسّك بسلاحه لأن نهاية الحرب تعني نهاية دوره، وبين من يريد نهاية الحرب ومن يحتاجها، يقف لبنان رهينة... فلا حياد بعد الآن ولا مناطق رمادية ولا أعذار إما دولة أو نهاية مفتوحة.