داود رمال

لبنان أمام مهلة حاسمة: مفاوضات تحت الضغط بين سلاح "حزب الله" وإعادة الإعمار

5 دقائق للقراءة

في حالة انعدام التوازن المحلّي والخارجيّ، يأتي الوقف الموقت لإطلاق النار كنافذة ضيّقة لالتقاط الأنفاس، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام سباق دبلوماسي محموم تقوده الولايات المتحدة الأميركية لتحويل هذا الهدوء الموقت إلى مسار تفاوضيّ مباشر يهدف أولًا، إلى كسب الوقت، وثانيًا، إلى تثبيت وقائع جديدة قد ترسم مستقبل لبنان لعقود مقبلة. فالإدارة الأميركية، التي أعادت ترتيب أولوياتها في المنطقة، تبدو أكثر اندفاعًا نحو تحقيق اختراق نهائي وحاسم في الملف اللبنانيّ، خصوصًا بعد إسناد هذا الملف مباشرة إلى وزير خارجيتها ماركو روبيو، الذي يُنظر إليه داخل الإدارة كأحد أبرز صناع القرار، ما يعكس جدية استثنائية في التعاطي مع هذا الاستحقاق.

لا يقتصر الرهان الأميركي  على إدارة أزمة، بل يتجاوز ذلك نحو هندسة مرحلة جديدة قوامها التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، وهو أمر لطالما كان محاطًا بحساسيات سياسية داخلية وإقليمية. إلّا أن الأوساط الدبلوماسية ترى أن مجرّد الانتقال إلى هذا النوع من التفاوض يؤسّس لواقع مختلف، قد لا يصل إلى معاهدة سلام شاملة، لكنه قد يفضي إلى اتفاق عدم اعتداء طويل الأمد، وهو خيار يبدو أكثر واقعية في ظلّ المزاج اللبناني العام الذي لا يزال يربط أي خطوة نحو السلام بإطار عربيّ أوسع، وتحديدًا بموقف المملكة العربية السعودية، بما يعكس استمرار تمسّك لبنان بمرجعيته العربية في القرارات السيادية الكبرى انطلاقًا من مبدأ التضامن العربي.

في المقابل، تبرز المقاربة الأميركية القائمة على تعزيز دور الدولة اللبنانية كضامن وحيد للأمن والاستقرار، وهو ما يعني عمليًا الدفع نحو اتفاق يكرّس مسؤولية الدولة الكاملة عن أراضيها وحدودها ومنع أي أعمال عدائية. هذا الطرح، الذي يحظى برعاية أميركية مباشرة، يُنظر إليه كأحد الثوابت التي لن تسمح واشنطن بإفشالها، انطلاقًا من قناعتها بأن أي تسوية مستدامة لا يمكن أن تقوم إلّا على مؤسسات الدولة. ومن هنا، يبرز المسار المتوقع الذي يبدأ بإحياء اتفاق وقف الأعمال العدائية، ثمّ العودة إلى اتفاقية الهدنة، وصولًا إلى تثبيت الحدود البرية بشكل نهائي، وهو ما يشكل العمود الفقري لأي استقرار طويل الأمد.

غير أن طاولة التفاوض لن تكون سهلة، إذ من المتوقع أن يتمحور الطرح الإسرائيلي حول مسألة سلاح "حزب اللّه" باعتباره أولوية أمنية قصوى، فيما سيواجه لبنان هذا الطرح بمعادلة مضادة عنوانها إعادة الإعمار وتثبيت الحدود والانسحاب. فلبنان، الذي يخرج من حرب مدمّرة، يجد نفسه أمام تحدٍ مالي هائل، حيث تشير التقديرات إلى أن كلفة إعادة الإعمار قد تجاوزت عشرين مليار دولار، وهو رقم يفوق بكثير ما شهده في الحروب السابقة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح إدراج ملف الإعمار على طاولة التفاوض ضرورة وجودية، لا مجرّد مطلب اقتصادي.

لكن التعقيد لا يقف عند حجم الكلفة، بل يمتدّ إلى البيئة السياسية المحيطة بتمويل الإعمار، إذ إن دول الخليج، التي كانت تاريخيًا الداعم الأساسي للبنان، تعرّضت في هذه الحرب لاعتداءات مرتبطة بالصراع مع إيران، ما يجعلها أقلّ استعدادًا للانخراط في تمويل إعادة الإعمار من دون ضمانات سياسية وأمنية واضحة، وهنا يبرز الدور الأميركي كوسيط وضامن أساسي لإعادة بناء الثقة وفتح قنوات الدعم العربي والغربي، إذ بات واضحًا أن لا إعادة إعمار ممكنة من دون هذا الغطاء الدولي.

ضمن هذا المشهد، تشير التقديرات الدبلوماسية إلى أن ملف إعادة الإعمار سيكون الأكثر تعقيدًا، يليه مباشرة ملف حصرية السلاح بيد الدولة، ما يجعل المفاوضات مرشحة لأن تكون شديدة الحساسية ومتعدّدة الطبقات. وفي هذا السياق، يكتسب الوقت المستقطع، والمقدر بنحو عشرة أيام من وقف إطلاق النار، أهمية استثنائية، إذ يُتوقع أن يشهد ضغوطًا أميركية مكثفة على رئيس مجلس النواب نبيه بري، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية في الداخل اللبناني لتسهيل الوصول إلى تسوية نهائية.

هذه الضغوط تتقاطع مع حراك إيراني متزايد باتجاه بري، في محاولة للتأثير على مسار التفاوض، انطلاقًا من قناعة بأن أيّ تقدّم في المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية سيكون أكثر سهولة إذا ترافق مع تفاهم أميركي - إيراني أوسع. فالتشابك بين المسارين لم يعد خافيًا، بل أصبح جزءًا من المعادلة التفاوضية، خصوصًا في ما يتعلق بالقضايا الأكثر تعقيدًا، وفي مقدّمها سلاح "حزب اللّه" وإعادة الإعمار.

لذلك؛ يقف لبنان أمام لحظة مفصليّة قد تكون الأخيرة وفق الرؤية الأميركية، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع الأزمات الداخلية لتفرض مسارًا تفاوضيًا لا يحتمل المماطلة. وبين هاجس الأمن الإسرائيلي وضرورة الإعمار اللبناني، وبين الدور الأميركي والحضور الإيراني، تتشكّل معادلة معقدة قد تحدّد ليس فقط نهاية هذه الجولة من الصراع، بل شكل لبنان في المرحلة المقبلة، دولةً قادرة على الإمساك بقرارها، أو ساحةً مفتوحة لتوازنات الخارج.