أفول الشيعيّة السياسيّة ومدرستَيها

الأزمة الثقافية للمسيحية السياسية اللبنانية و "صحوتها"

9 دقائق للقراءة

بعد مقتطف أول نشرته "نداء الوطن" الأربعاء الماضي، من كتاب "الأزمة الثقافية للمسيحية السياسية اللبنانية و "صحوتُها"" للصحافي جهاد الزين، ننشر لكم هذا الأسبوع فصلًا آخر من الكتاب نفسه الصادر عن "دار سائر المشرق". والإصدار في ما يتناوله من موضوعات مرتبطة بعنوانه، يقارب أيضًا المسألة الفلسطينية، وصعود إسرائيل التكنولوجي، وتحوّلات الإقليم من زاوية نقدية لا تخضع للانفعال، كذلك يطرح سؤال البقاء والانهيار خارج العاطفة وخارج الاصطفاف الديني. نصّ الزين يُحاكم التجربة اللبنانيّة بأدوات تحليل صارمة، ويقترح فهمًا جديدًا لأزمة دولة وبيئة سياسية ما زالت تبحث عن توازنها. هنا فصل من الكتاب بعنوان: "أفول الشيعيّة السياسيّة ومدرستَيها". 

هل بدأنا نشهد نهاية استفراد جناحَي الشيعية السياسية في لبنان اللذَين سيطرا على مناطق الشيعة، واحتكرا تمثيلهم السياسيّ منذ الثمانينات، وبصورة خاصّة منذ بداية التسعينات؟ الجناحان الإيرانيّ عبر "حزب الله" والصدريّ (الإيرانيّ) عبر "حركة أمل"؟

تروي السرديّة التي يروِّجها جناحا الشيعية السياسية، أن الشيعة "دخلوا الدولة مع انتصار الجناحَين" متجاهِلةً جهود أجيال من السياسيّين الشيعة ضمّت الرؤساء أحمد الأسعد وعادل عسيران وصبري حمادة وكامل الأسعد والنوّاب يوسف الزين وكاظم الخليل ورشيد بيضون، منذ العشرينات لتوسيع حجم مشاركة هذه الطائفة في أجهزة الدولة، وفي الحصول على مكاسب إنمائية كبيرة. هناك حقبتان يجب التوقف عندهما في هذا السياق: حقبة الانتداب الفرنسي التي شهدت حركة واسعة من تأسيس المدارس الرسمية في جنوب لبنان تجاوز عددها ما أسّسه الانتداب في جبل لبنان تبعًا لإحصاءات رصينة نشرها المؤرّخ منذر جابر في كتابه عن يوسف الزين. والسبب الموضوعيّ الرئيسيّ طبعًا لهذا الفارق هو حجم المدارس الرهبانية والتبشيرية التي كانت تقليديًا تعمل في جبل لبنان، بينما في جبل عامل كان رقم المدارس مدقعًا. وبالتالي كانت الحاجة أكبر بكثير لتأسيس المدارس الرسمية في الجنوب، والخبر هنا أنّ الانتداب كان يحمل رؤية إصلاحية.

الحقبة الثانية هي الحقبة الشهابية في ستينات القرن المنصرم التي شهدت توسّعًا تعليميًّا وإنمائيًّا (مدّ خطوط الكهرباء والطرقات كأوتوستراد الزهراني النبطية) انعكس في طفرة كبيرة لأعداد المتعلّمين الشيعة والطبقات الفقيرة في مناطق ريفية أخرى، خصوصًا أنها تلت فترة تأسيس الجامعة اللبنانية في أوائل الخمسينات، وشهدت توسّعًا في أعداد كلّيّاتها، وبمستوى بعضه عالٍ، أو بدأ عاليًا وتراجع، كمعهد العلوم الاجتماعية، ومميّز ككلّية العلوم وكلّية التربية وكلّية الحقوق إلى أن انفجرت الحرب الأهليّة، وتحوّلت هذه الكلّيّات إلى أروقة انحطاط تعليميّ بلغ حدّ وجود حركة منظمة لتزوير الشهادات على يد ضبّاط سوريّين وغيرهم في الثمانينات، تحت وطأة نفوذ الميليشيات المختلفة وأبرزها ميليشيا "حركة أمل". لعب تفريع الجامعة اللبنانية دَورًا حاسمًا في تردّي مستوى الطلّاب والأساتذة بحيث تحوّلت معظم الفروع الموزعة على المناطق إلى مراكز نفوذ للميليشيات المسيطِرة على الشارع والمنتقل نفوذها إلى الدولة.

كانت الشيعيّة السياسيّة جزءًا قياديًا في هذا التردّي، لا براءة من مسؤوليّته للميليشيّات الأخرى وهي الميليشيا الدرزية والميليشيا المسيحية وبعض القوى النافذة في مدن الساحل السنّية.

اعتبر جناحا الشيعية السياسية أجهزةَ الدولة غنائم حرب في ممارسات تحوّلت بسبب انفلاتها المالي والإداري إلى "نموذج فساد وتردّي" مستوى جعلها تبدو وحدها مصدر انحطاط الدولة، وهذا ليس صحيحًا، وإن كان أقوى تفلّتًا من حيث النفوذ.

في هذا الوقت كان الرئيس نبيه بري الذي لم يخُض أيّ انتخابات حقيقية منذ العام 1992 رغم انتشار شعبية "حركة أمل" في كلّ المناطق الشيعية، يرسّخ نفوذه الذي سيتحوّل مع الوقت إلى أن يصبح رمز "الدولة العميقة" المتدهورة. كان هاجس سحق أخصامه الشيعة يجعله يدير في كلّ انتخابات، وإلى اليوم، ماكينة متكاملة من السيطرة على كلّ الأجهزة الأمنية والإدارية في مناطق الانتخابات الخاصّة بلوائحه، من الشرطي البلدي إلى الموظف الإداري إلى الضبّاط والأسلاك الأخرى المدنية والعسكرية، وكلّ ذلك في سياق استخدام ميليشياته في الشارع لقمع معارضيه وترهيب مؤيّديهم. والعجيب أنه نظريًّا لم يكن يحتاج لذلك لتأكيد غلبته، ولكن معادلة سادت ضمنًا بين الجناحَين أنه يجب عدم السماح بأيّ اختراق من أيّ نوع كان. كلّ ذلك كان مقترِنًا بقرار استراتيجي سوري وإيراني بعدم إبعاد الجناحَين عن أيّ تشكيلة حكومية تضمن تعزيز النفوذ من داخل مجلس الوزراء وإدارة فساد واسع ومعلَن مع الميليشيات الأخرى.

بعد الخروج السوري، تميّزت أحزاب المسيحية السياسية في خوض انتخابات فعلية تنافسية جعلها التعدّد الحزبي المسيحي في ما بينها، انتخابات حقيقية قياسًا بما كان يدور في الشوارع الطائفية الأخرى.

الهزيمة الساحقة التي تعرّض لها "حزب الله" في حربه مع إسرائيل، عرّضت "الحزب" إلى ضربة قاتلة، فيما صار الجناح الآخر من الشيعية السياسية يعطي لنبيه برّي مساحة وسيط مع الغرب عبّرت عن نفسها بشكل أرضى الغرب في منعطَفَين كبيرَين: اتفاق الغاز البحري مع إسرائيل عام 2022، والثاني في التفاهم على وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024 بين لبنان وإسرائيل، وهو التفاهم الذي كادت تتوسّله إيران لإخراج "حزب الله" من المقتلة التي كان يتعرّض لها وفقدَ فيها، وما زال، كلّ قدرة جدّية على الردّ، هزيمة من تفجيرات "البايجرز" التي قتلت وشوّهت وجرحت في غضون دقائق أربعة آلاف شخص، غير المئات الذين عادت واغتالتهم المسيَّرات الإسرائيلية حتى نهاية الحرب، مبيدةً القيادة العسكرية للحزب برمّتها. عملية "البايجرز" ستذهب في التاريخ العسكري للصراع مع إسرائيل، ليس أقلّ، من حيث الأهمّية، من عملية تدمير الطيران الإسرائيلي كلّ الطيران المصري خلال الساعات الأولى من حرب 1967.

هل تصمد الشيعية السياسية اللبنانية بجناحَيها كما عرفناها في أكثر من السنوات الخمسين الماضية، أم بدأت في الأفول، بل النهاية، لتفتح تاريخيًا المجال أمام ولادة قوى جديدة غير ذات نزوع ديني تحلّ في البيئة الشيعية مكانها؟

الأفول بدأ رغم وطأة السيطرة، ولو كان المصير النهائي سيظلّ مرتبطًا بمصير النظام الإيراني، من جهة، لا سيّما بعد سقوط نظام الأسد، وبنوع تطوّر الوضع اللبناني وقواه الحيّة من جهة ثانية، في زمن شهدنا فيه ديناميكية سياسية مزدوجة في القرار السعودي بإنهاء الحريرية السياسية، وفي الانتصار الإسرائيلي الأميركي على إيران و "حزب الله".

لقد ظهر الاهتراء التاريخي لجناحَي الشيعية السياسية، وهو أكثر من مجرّد نهاية الفورة التي جعلت الجناحَين يقتحمان التاريخ اللبناني والإقليمي، لكن، وهما في دورةٍ من التفاعلات السوسيولوجية والسياسية بدأت في الستينات ونهاية السبعينات من القرن المنصرم التي شهدت الثورة الإيرانية، سرعان ما تحوّلت هذه التفاعلات إلى عنصرَي تفكيك واهتراء للدولة اللبنانية.

دخلت المنطقة، بفعل التفوّق الإسرائيلي، في عصر سياسي وجيوبوليتيكي جديد من لبنان إلى سوريا إلى العراق. القدرة الإسرائيلية تجاوزت النطاق العسكري لتصبح عبر التقدّم التكنولوجي قادرة على التوجيه السياسي وتعديل الحدود.

شراكة نظام الأسد المسكوت عنها في تغييب موسى الصدر، هي شراكة مثلّثة الأضلع بين القذافي وجماعة الخميني قبل الثورة ونظام حافظ الأسد. المثير أن العقيد الليبي معمّر القذافي الذي أخفى الإمام الصدر على الأراضي الليبية كان مجرّد منفّذ في هذه العملية، بينما التحالف الخميني الأسدي كان المستفيد الأكبر الذي غطّاه القذافي. الأسد ورث "حركة أمل" في لبنان وأدارها طويلًا، والإمام الخميني الذي تُظهِر مذكّرات هاشمي رفسنجاني أنه لم يكن يرتاح، أي الإمام الخميني، إلى التواصل مع الصدر منذ أيّام إقامة الخميني في النجف. وبهذا كان صاحب مصلحة في إقصاء الصدر كحامل طموح سياسي داخل الحياة السياسية الإيرانية، وهو كان يستضيف ويحمي مجموعة من المعارضين الإيرانيّين سيكون معظمُهم أعضاءَ بارزين في الحكومة الإيرانية الأولى بعد سقوط الشاه. ويقول البعض إن هذا الطموح لم يكن أقلّ من الوصول إلى رئاسة الجمهورية في إيران. ولم يكن لبنان سوى محطّة على هذا الطريق… في حسابات الصدر. بالنتيجة يظهر أن تغييب الإمام الصدر كان واحدًا من عمليّات التصفية الكبرى التي شهدتها الثورة قبل وبعد انتصارها، وأدّتْ إلى استبعاد أسماء كبيرة كالسيّد بهشتي ومهدي بازركان والرئيس بني صدر وغيرهم، وغيرهم في عمليّات مختلفة كانت بينها تفجيرات أودت، على مراحل، بالعشرات من قادة الصفّ الأوّل. أمّا الشريك الثالث الذي لم يجرؤ أحد على تسميته فهو الرئيس حافظ الأسد الذي تبيّن أن تغييب الصدر كان حلقة في مسار سيطرته على لبنان، وعلى الشيعية السياسية ممثلةً بحركة أمل، وسنرى الآن بعد سقوط نظام آل الأسد الأب والابن كيف ستتمكّن هذه الشيعية السياسية من البقاء على قيد الحياة.

المثير أن الحقبة نفسها، نهاية العشرية الثانية وبداية العشرية الثالثة، شهدت ليس فقط تراجع الشيعية الخمينية تحت وطأة الضربات الإسرائيلية على "حزب الله"، بل أيضًا شبه تلاشي السنّية السياسية الممثلة بالحريرية السياسية على يد قرار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. والحريرية السياسية هي أقوى وأوسع حركة سياسية في البيئة السنية شهدها الكيان اللبناني خلال مئة عام من قيامه. على أن المثير هو أن هاتَين الحركتَين "حزب الله" والحريرية يشهدان تراجعًا، بل ضمورًا في الفترة نفسها، وهما اللتان كادتا تخوضان حربًا أهلية بين السّنة والشيعة اللبنانيّين، بل كانتا دائمًا بعد اغتيال النظام السوري رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005 في نوع من الحرب الأهلية الباردة حتى خروج الحريرية القسري من الحياة السياسية بقرار الأمير محمد بن سلمان.


غلاف الكتاب