ميشيلا رزق

"إسرائيليو" لبنان

6 دقائق للقراءة

المصدر: The Beiruter

كتبت ميشيلا رزق في موقع The Beiruter مقالًا بعنوان "إسرائيليو" لبنان، جاء فيه: 

في لبنان، قد يُدرج المواطن رسميًا ضمن خانة "إسرائيلي"، من دون أن يكون قد وطأت قدماه إسرائيل يومًا.

هذا التصنيف يَرِد في لوائح الشطب والسجلات الرسمية، وهو لا يرتبط بالجنسية بل بالانتماء الديني. إذ تعتمد الدولة اللبنانية هذا المصطلح لتصنيف مواطنيها من الديانة اليهودية، ضمن ما لا يزال يُعرف رسميًا بـ"الطائفة الإسرائيلية".

غير أن هذه التسمية تفتح الباب أمام التباس في الفهم، إذ قد تُفسَّر لا بوصفها إشارة إلى اليهود اللبنانيين، بل كارتباط ضمني بـ"دولة إسرائيل".

من أرشيف القانون

تعود هذه التسمية إلى الحقبة القانونية التي أرساها الانتداب الفرنسي، حين كان مصطلح "Israélite" مستخدمًا في الخطاب القانوني الأوروبي للإشارة إلى اليهود بوصفهم جماعة دينية. ومع تشكّل مؤسسات الدولة اللبنانية الحديثة، نُقل المصطلح إلى العربية بصيغة "الطائفة الإسرائيلية"، وأُدرج ضمن الإطار الرسمي لتصنيف الطوائف المعترف بها.

وفي هذا السياق، يوضح أستاذ القانون الدستوري الدكتور وسام لحّام أن "التسمية العربية الرسمية وردت في القرار رقم 60 ل.ر الصادر عام 1936 عن المفوض السامي الفرنسي دميان دو مارتيل، الذي كان يمارس آنذاك كامل الصلاحيات التشريعية على لبنان وسوريا. ولا يزال هذا القرار يشكّل المرجعية الأساسية لتنظيم شؤون الطوائف والحريات الدينية، ويضمّ جميع الطوائف المعترف بها رسميًا".

في حينه، لم تكن للتسمية أي دلالة سياسية، بل عكست السياق القانوني واللغوي السائد آنذاك، قبل قيام "دولة إسرائيل".

ومن الناحية الدستورية، يشير لحّام إلى أن "الدستور اللبناني لا يحدّد الطوائف، بل يترك مسألة الاعتراف بها وتسميتها وتنظيم علاقتها بالدولة للسلطة التشريعية". وبما أن قرار عام 1936 يتمتع بقوة القانون، فإن أي تعديل في التسمية، بما في ذلك تغيير اسم طائفة، يتطلب تدخّلًا تشريعيًا من مجلس النواب.

وفي هذا الإطار، لا تبدو التسمية مجرد تفصيل إداري. فبموجب المادة التاسعة من الدستور، التي تكفل حرية المعتقد بشكل مطلق، يرتبط الاعتراف بالطوائف بقضايا الهوية والتمثيل. ويشدد لحّام على أن "لكل جماعة الحق في تعريف هويتها، ولا يستقيم أن يختلف الاسم القانوني للطائفة عن الاسم الذي تعتمده لنفسها".

وقد تجلّى هذا المبدأ في سوابق تشريعية، أبرزها تعديل البرلمان عام 1951 تسمية "الطائفة البروتستانتية" إلى "الطائفة الإنجيلية"، استجابةً لطلب ممثليها، في خطوة عكست ضرورة مواءمة المصطلحات القانونية مع الهوية الفعلية.

ويضيف لحّام: "سبق أن عدّل البرلمان تسميات طوائف، لكن دائمًا بناءً على طلب هذه الطوائف نفسها، ولا يوجد ما يشير إلى أن الطائفة اليهودية في لبنان تقدّمت بطلب رسمي لتغيير تسميتها".

وعليه، فإن مصطلح "الطائفة الإسرائيلية" لا يعكس واقعًا سياسيًا بقدر ما يجسّد إرثًا قانونيًا تراكم عبر الزمن.

فوضى المصطلحات

لا تقتصر الإشكالية على بعدها المفاهيمي، بل تمتد إلى اللغة نفسها.

في العربية، تستند عبارة "الطائفة الإسرائيلية" إلى الجذر ذاته لكلمة "إسرائيلي"، التي باتت تُستخدم اليوم للدلالة على مواطن في "دولة إسرائيل". وعلى خلاف الإنجليزية التي تميّز بوضوح بين "Israeli" و"Israelite"، يتلاشى هذا التفريق في الاستعمال العربي المعاصر، ما يفتح الباب أمام التباس في الدلالة.

نظريًا، تميّز اللغة بين المصطلحين فَ"Israelite" "بنو إسرائيل" تحمل دلالات تاريخية ودينية، فيما “Israeli” "إسرائيلي" تحمل دلالة وطنية حديثة. إلا أن هذا الفصل لا ينعكس غالبًا في الاستعمال اليومي، حيث يتداخل الجذر نفسه بين معانٍ تاريخية ودينية وسياسية، ما يجعل مصطلحًا قانونيًا محايدًا في أصله عرضة للالتباس.

وفي هذا السياق، يوضح الدكتور أمين إلياس، المتخصص في تاريخ الأفكار:

"قبل قيام ‘دولة إسرائيل’، لم يكن للمصطلح أي حساسية. كان يُشار إلى اليهود بشكل طبيعي على أنهم ‘إسرائيليون’، وكانت التسمية مألوفة ومندمجة في النسيج الاجتماعي في لبنان والمنطقة."

ويضيف: "إن مصطلح ‘إسرائيل’ يعود إلى التوراة، حيث أطلق الله على النبي يعقوب إسم إسرائيل، ومنه جاءت تسمية بني إسرائيل كهوية دينية وتاريخية، لا سياسية."

وقد بقي المصطلح، على مدى قرون، ضمن هذا الإطار الديني والتاريخي، متداولًا في النصوص والتقاليد من دون أي ارتباط بدولة حديثة. ولم يكتسب بُعده السياسي إلا في القرن العشرين، مع صعود الحركة الصهيونية وقيام "دولة إسرائيل".

من هنا، تبرز دعوات لاعتماد تسمية "الطائفة اليهودية" بدلًا من "الطائفة الإسرائيلية"، ليس لإعادة كتابة التاريخ، بل لتصحيح الدلالة. فالمسألة لا تقتصر على البعد الرمزي، بل تتعلق بدقة المصطلح وقدرته على التعبير عن الواقع الذي يُفترض أن يصفه.

ذاكرة أكثر منها واقع

لا تبقى تداعيات هذا الالتباس في إطارها النظري.

فالجماعة اليهودية في لبنان، رغم تقلّصها الكبير، لم تختفِ بالكامل، لكنها انكفأت إلى حد بعيد عن الحياة العامة. وتشير السجلات الرسمية إلى وجود نحو 4,000 يهودي لبناني حتى اليوم، يُسجَّل قرابة 96% منهم في بيروت، ولا سيما في منطقة ميناء الحصن، التي شكّلت تاريخيًا مركز حضورهم في العاصمة. كما تعكس أسماء عائلات مثل سرور وزيتونة وسعد وسالم جذورًا لبنانية راسخة سبقت التحولات السياسية الحديثة.

وخلال معظم القرن العشرين، كانت هذه الجماعة حاضرة وفاعلة. ففي خمسينيات القرن الماضي، قُدّر عدد اليهود في لبنان بنحو 14,000، ما جعله البلد العربي الوحيد الذي شهد نموًا في عددهم بعد عام 1948. وقد انخرطوا في قطاعات التجارة والنشر والحياة الاجتماعية، فيما كانت مناسباتهم الدينية تحظى بحضور رسمي، في إطار اندماجهم ضمن النظام الطائفي، من دون تبنّي أي مشروع سياسي خاص.

غير أن هذا التوازن لم يدم. فمنذ أواخر الأربعينيات، بدأت تداعيات الصراع في فلسطين التاريخية تنعكس على الداخل اللبناني، عبر حوادث متفرقة وتصاعد في مناخ الشك. وجاءت حرب عام 1967 لتشكّل نقطة تحوّل مفصلية أعادت رسم التوازنات الداخلية، في ظل تصاعد العمل المسلح وتكثّف الاشتباكات عبر الحدود.

تسارعت بعدها وتيرة الهجرة. ومع نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، غادرت أعداد كبيرة من اليهود لبنان. ومع اندلاع الحرب عام 1975، انهارت ما تبقّى من البنية المؤسساتية: تضرّرت المعابد أو أُغلقت، وأقفلت المدارس، وتفككت الأحياء. وخلال عقد واحد، تراجع العدد من آلاف إلى مئات، ثم إلى أفراد معدودين.

اليوم، لم تعد هذه الجماعة مرئية في الفضاء العام، بقدر ما هي حاضرة في السجلات… موجودة قانونيًا، وغائبة فعليًا.

إشكالية مستمرة

ما بدأ يومًا كمصطلح قانوني محايد، بات يُستخدم اليوم في سياق مختلف تمامًا.

لم تتبدّل التسمية، لكن المعنى الذي يحيط بها تغيّر.

فاليهودية دين، و"الإسرائيلي" جنسية، وبنو إسرائيل في معناهم التاريخي يشيرون إلى هوية قديمة، فيما تمثّل الصهيونية أيديولوجيا سياسية.

هذه مفاهيم متمايزة، لا يجوز الخلط بينها.

وحين تختزلها اللغة في إطار واحد، فهي لا تكتفي بإرباك الفهم، بل تُعيد تشكيل الواقع وتشويهه.