إنّ الوعي الجماعي الذي يُبنى على الإنكار لا يُنتج نصراً، بل يُؤجّل الهزيمة النفسية فقط، فبينما يرتطم المواطن بالواقع العاري، تظل القيادة تحقنه بعقاقير السردية حتى يفقد القدرة على التمييز بين الصمود وبين الانتحار البطيء.
في الواقعية السياسية، يُعدّ ميزان القوى العنصر الحاسم في صياغة السرديّة، لا كما هو عليه في الواقع، بل كما يتّفق عليه اللاعبون السياسيون، قبل أن يُقدَّم للجمهور بوصفه تفسيراً مشروعاً له. فمنذ نشوء الدولة الحديثة، لم تكن السرديّات السياسية مجرّد انعكاس للأحداث، بل كانت في جوهرها أداة تعبئة وضبط، تُصاغ بعناية لتواكب ميزان القوى لا لتسبقه. الزعيم لا يبتدع رواية من الفراغ، بل يستخرجها من لحظة صراع أو تثبيت شرعية. لكن المفارقة تكمن في أنّ هذه السرديّة تتحوّل إلى عبءٍ ثقيل عليه عندما تتبدّل موازين القوى.
في التجربة الأوروبية، شكّلت هزيمة فرنسا أمام بروسيا عام 1871 سرديّة "الثأر" (Le Revanchisme) التي غذّت الرأي العام لعقود. وفي المقابل، جرى تصوير فرنسا في الوعي الألماني كدولة مهزومة، خصوصًا مع إعلان الإمبراطورية الألمانية من قاعة المرايا داخل قصر فرساي، في مشهد حمل دلالات إذلال رمزية عميقة. غير أنّ التحوّل الجذري بدأ بعد عام 1945 مع "مشروع مارشال" الذي مهّد لتحوّل استراتيجي، ومن خطاب الثأر إلى خطاب "أوروبا الموحّدة"، الذي تُوّج لاحقاً بتأسيس الاتحاد الأوروبي.
وفي منطقتنا، شكلت اتفاقية "كامب ديفيد" تحوّلاً جذرياً في السرديّة السياسية في مصر. فقبل عام 1978، كانت السرديّة الرسمية قائمة على "الصراع الوجودي" مع إسرائيل، خصوصًا بعد حرب 1967 التي أدّت إلى خسارة سيناء، ثم حرب أكتوبر التي أعادت جزءاً من التوازن وفتحت الباب أمام مسار تفاوضي.
جاء التحوّل بقيادة أنور السادات، الذي دشّن مسارًا سياسيًا جديدًا تُوّج باتفاق سلام برعاية أميركية. غير أنّ الأهمّ لم يكن الاتفاق بحدّ ذاته، بل التحوّل في السرديّة: من منطق "الصراع الوجودي" إلى "النزاع الحدودي" القابل للتسوية، حيث لم يعد الهدف إزالة الخصم، بل استعادة الأرض بالتفاوض.
وقد تجلّى هذا التحوّل في عدة مستويات، بدايةً في اللغة، حيث بدأ الخطاب الرسمي يتخلّى تدريجيًا عن توصيفات تعبويّة حادّة، متجهًا نحو لغة أكثر براغماتية، تُمهّد لتقبّل فكرة التفاوض. ثانيًا، على مستوى الأولويات، جرى ربط السلام بمسار التنمية، حيث قُدّم كخيار يهدف إلى إنهاء استنزاف الموارد وفتح المجال أمام إعادة البناء، في انتقال واضح من منطق "المعركة" إلى منطق "التعمير" تحت ما سُمِّي آنذاك "بسياسة الانفتاح والتعمير". ثالثًا، على مستوى الشرعية السياسية، أُعيد تعريف المصلحة الوطنية ضمن إطار "مصر أولًا"، باعتبار أنّ استعادة سيناء تُشكّل أولوية سيادية تتقدّم على الاعتبارات الأيديولوجية الأوسع.
بهذا المعنى، لم يكن التحوّل مجرّد تعديل في الخطاب، بل إعادة تعريف لمفهوم "النصر" نفسه، من هزيمة الخصم عسكرياً إلى تحقيق الهدف السياسي بأقلّ كلفة ممكنة. غير أنّ هذا التحوّل لم يمرّ من دون تداعيات. عربيًا، واجهت مصر عزلة واضحة، تُرجمت بتعليق عضويتها في جامعة الدول العربية ونقل مقرّ الجامعة من القاهرة، وظهور ما عُرف "بجبهة الرفض". أمّا داخلياً، فقد انقسم المشهد بين تأييدٍ يرى في السلام ضرورة واقعية بعد عقود من الحروب والدم، ومعارضة اعتبرته خروجاً عن ثوابت الصراع، وهو انقسام انعكس لاحقاً في توصيفه "بالسلام البارد"، حيث استمرّ التباين بين الالتزام الرسمي والتحفّظ الشعبي.
تكمن المفارقة التاريخية في أنّ التحوّلات الأوروبية لم تكن لتنجح لولا وضوح لحظة الانكسار التي منحت الشعوب فرصة "الحداد السياسي"، أي الإقرار بنهاية مرحلة والبدء بالتكيّف مع واقع جديد. أمّا في لبنان، فنحن أمام مشهد سريالي: يرتطم المواطن بوقائع الدمار والنزوح، فيما تُحقن السرديّات القديمة بمورفين إعلامي يوهم بالثبات وهي تحتضر. فيغيب الاعتراف، وتتأجّل المواجهة، وتتحوّل الصدمة إلى انهيارٍ مضاعف عند الارتطام بالحقيقة.
فمشهد اللبنانيين العائدين اليوم لتفقد ما تبقى من جنى أعمارهم خلال "الوقت المستقطع" المثقل بالقلق، يختصر حكاية شعب يرفض الانكسار، لكنه يواجه بصمت لحظة الحقيقة القاسية؛ فبين ركام البيوت والذكريات المدمرة، تبدو الحاجة ملحة لتجاوز السرديات التجميلية نحو خطاب يواسي هذا الوجع ويحترم ذكاء الناس الذين يدفعون دائماً الثمن الأغلى من استقرارهم وأحلامهم. هذه العودة العفوية، تضع القيادات أمام مسؤولية أخلاقية تتجاوز لغة الأرقام والموازين، لتفرض انتقالاً صادقاً نحو "الحداد السياسي" الذي يرمم القلوب المكسورة، ويؤسس لمستقبل لا تكون فيه التضحيات مجرد وقود لسياسات صامتة.
ما لا يُقال صراحة هو أنّه طوال عقود، لم تُصارح الناس بالحقيقة، بل نسخةً منها تتناسب مع ميزان القوى القائم. واليوم، بعدما تبدّل الميزان، لم تعد السرديّة القديمة قابلة للحياة، لكن السرديّة الجديدة ما زالت قيد المخاض لم تُكتب بعد. إنّ جوهر الأزمة لا يكمن في الفعل التفاوضي بحدّ ذاته، بل في حالة الاستثمار العاطفي المهدور وما تخلّفه من فجوة نفسية حادة بين ما جرى ترسيخه في الوعي الجماعي بالأمس، وما يُطلب من الناس اعتناقه والتعايش معه اليوم.
وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية والسياسية: فبينما يواجه الجمهور واقعًا مأساويًا من النزوح والتشرّد، تكتفي النخب بالاحتماء خلف بلاغة الإنكار والرهانات المجهولة. يغيب الخطاب وتضيع الرؤية، فيتحوّل هذا الغياب إلى عطبٍ بنيوي في القيادة. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على الحفاظ على السرديّة، بل بجرأتها على قول ما لم يعد ممكنًا إخفاؤه. وهكذا، لا يُترَك الناس لمواجهة الواقع فحسب، بل لمواجهة خطاب عاجز عن تفسيره، فيصبحون ضحية مرّتين: مرّة أمام الواقع، ومرّة أمام هذا العجز.
المطلوب ليس مجرّد تغيير خطاب، بل إعادة تعريف العلاقة بين السياسة والجمهور. فبدل الاستمرار في إنتاج سرديّات مؤقّتة تُستهلك مع تغيّر الظروف، حان الوقت لبناء خطاب أكثر صدقًا، يعترف بأنّ السياسة هي فنّ التكيّف مع ما يتبدّل، لا التمسّك بما يشرف على النهاية.