شكل خطاب رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون القوي والجريء علامة فارقة في مرحلة حساسة ومفصلية يمرّ بها لبنان، حيث بتنا نشهد على مسار التحول التدريجي والمتدحرج، نحو خلاص لبنان من براثن الاجندات والانتماءات الخارجية، والعودة الى الوطنية والهوية اللبنانية بالانتقال من الحروب العبثية الى ميناء السلام والاستقرار والازدهار.
لقد جاء هذا الخطاب ليؤكد للمشككين والمخونيين بأنه "لا ولاء لغير لبنان وشعبه" كما شدد الرئيس على انه "لن يكون هناك اي اتفاق يمس بكرامتنا، هدفنا هو تثبيت وقف اطلاق النار، وتأمين الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي الجنوبية المحتلة، بسط سلطة الدولة بقواها الشرعية حصرًا، عودة الاسرى، وعودة النازحين الى قراهم"، ووجه رسالة بنبرة صارمة للمغامرين بمصير لبنان وحياة اللبنانيين : "كفى، وحده مشروع الدولة في لبنان الافضل والابقى والاضمن للجميع".
واعتبر الاستشهاد بكلام الرئيس المصري الراحل محمد انور السادات: "سأذهب الى اي مكان.." بأنه المفتاح الذهبي لإنقاذ لبنان، مما يشير الى سقوط جميع التابوهات أمام محاولة وقف النزف الحاصل، فالاولوية تكمن في المصلحة العامة للبنان واللبنانيين، حيث شدد بأن "التفاوض ليس ضعفًا ولا تراجعا ولا تنازلا، بل قرار نابع من قوتنا ومن حقنا وحرصنا على شعبنا وحماية وطننا، ورفضنا ان نموت من اجل اي كان الا لبنان"، مما يؤكد ان المفاوضات المباشرة مع اسرائيل برعاية اميركية قائمة وهي دقيقة ومفصلية، والتي نتائجها ومخرجاتها ستحدد ملفات هامة منها (ترسيم الحدود البرية)، والمضي نحو سلام دائم وعادل وتعاون شامل.
كما حمل رسالة للداخل والخارج، تجسدت على الصعيد الداخلي بدعوة اللبنانيين الى تغليب لغة العقل على الغرائز "فالاوطان لا تبنى بالغريزة، اناشد ابناء شعبي ان يفتحوا قلوبهم وعقولهم" من خلال "عدم السماح للاصوات المشككة والمخونة ان تزرع الفرقة بينكم، لا تنجروا خلف من يستغل عواطفكم ليبني مجده على حساب استقراركم، حكموا عقولكم وتغلبوا على غرائز المضللين، وثقوا بأن ما نقوم به اليوم وغدا هو من اجل سلامتكم وحمايتكم وحياتكم الحرة الكريمة والآمنة"، وبالتالي هذه الرسالة تؤكد على ضرورة الوعي الجماعي لدى كل الاطياف اللبنانية من الفتنة والفرقة، كما شدد الرئيس جوزيف عون ان "قوة هذا الوطن هي اولا في وعي شعبه وفي وحدته القائمة على الحق والعدالة وخيار العيش الواحد"، حيث أكد على مضمون الشرعية والسيادة من خلال عبارته: "دولة واحدة لها ولاءنا الكامل وانتماءنا النهائي، دستور واحد نحتكم اليه، قوانين واحدة نخضع لها كلنا، وقوى مسلحة واحدة تحمينا كلنا".
على الصعيد الخارجي، توجه بتحية للجهود الدبلوماسية التي بذلت لوقف اطلاق النار، بدءا من شكر الرئيس الاميركي دونالد ترامب ومن ثم الدولة العربية الشقيقة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.
أضف لذلك، توجه برسائل مبطنة للايراني ومطمئنة للمجتمع الدولي بتصريحه:" لقد استعدنا قرار لبنان منذ اكثر من نصف قرن، ولم نعد ورقة في جيب أيا كان ولا ساحة لحروب ايا كان ولن نعود ابدا، نحن نتفاوض عن انفسنا ونقرر عن انفسنا"، في رسالة واضحة وحاسمة للنظام الايراني بأنه لا يمكن استغلال ورقة لبنان في مفاوضاتكم مع الاميركي، ويعكس محاولة واضحة لاعادة الاعتبار لدور الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وخطوة واثقة نحو مسار الخلاص من السطوة الايرانية القابضة على انفاس اللبنانين لسنوات خالية. وفي خضم السجال الحاصل، حول ربط ملف المفاوضات الاميركية- الايرانية بملف لبنان، جاء التأكيد الحاسم من قبل الرئيس الاميركي دونالد ترامب عن فصل الملفين، بتصريحه: "الصفقة مع ايران غير مرتبطة بلبنان بأي حال من الاحوال، لكننا سنجعل لبنان عظيما مرة اخرى"، ليبرهن لجميع المشككين والمؤيدين لمحور السلاح بفصل المسارين، وبالتالي تعد هذه الخطوة انجاز دبلوماسي لبناني له وزنه سواء على الصعيد الداخلي او الخارجي.
في المحصلة، لبنان اليوم امام مرحلة مفصلية وتاريخية تعيد هندسة الدولة وبناء المؤسسات الشرعية، من منطلق السيادة والتمسك بالمصلحة الوطنية، بعيدا عن السطوة الايرانية والاجندات الخارجية، فاليوم هو مخاض لمسار طويل من الاستنزاف الدموي والسياسي والعسكري، هو فرصة انقاذية من حالة الانتحار والموت العبثي نحو مستقبل الاستقرار والسلام والازدهار، بتطبيق المعادلة الذهبية = (جيش+شعب+دولة) لنصل الى "لبنان حر سيد مستقل"، حيث ينتصر مفهوم الدولة على الدويلة.
كاتبة وباحثة سياسية