بموضوع طرد الدبلوماسي الإيراني من بيروت، سبق للكاتب أن نشر بتاريخ سابق قراءة قانونية في "نداء الوطن" بعنوان "قراءة قانونية لمسألة اعتبار الدبلوماسي الإيراني شخصًا غير مرغوب فيه" تجدونها على هذا الرابط:
أما هنا، في خضمّ النقاشات القانونية والإعلامية التي يشهدها لبنان حول صلاحيات السلطات الدستورية في إدارة العلاقات الخارجية، يبرز خطأ متكرر يتمثّل في الخلط بين مفهومي agrément وpersona non grata. هذا الخلط ليس تقنيًا فحسب، بل يقود إلى استنتاجات دستورية وسياسية غير دقيقة، خصوصًا عند محاولة إخضاع إعلان دبلوماسي "شخصًا غير مرغوب فيه" لمبدأ موازاة الصلاحيات. ويشكّل التمييز بين مفهومي agrément وpersona non grata إحدى الركائز الأساسية لفهم النظام القانوني للعلاقات الدبلوماسية، غير أن الممارسة العملية، لا سيما في البيئات القانونية المختلطة كلبنان، تكشف عن خلط متكرر بين المفهومين، غالبًا ما يُبنى عليه استنتاج خاطئ يتمثل في إخضاع إعلان persona non grata لمبدأ موازاة الصلاحيات (Parallélisme des formes et des compétences).
أولًا، التمييز بين agrément و persona non grata
بدايةً، يقتضي التفريق بين agrément التي تعني الموافقة المسبقة على تعيين السفير التي تتم قبل وصوله الى البلد المضيف، وهذا وفقًا للمادة 4 من اتفاقية فيينا للعلاقات الديبلوماسية، وأوراق الاعتماد التي يقدمها السفير الى رئيس الجمهورية بعد وصوله وهي اجراء بروتوكولي يكرس بدء مهامه رسميًا، وهذا بحسب المادة 13 من الاتفاقية المذكورة. أما بالعودة الى الخطأ الشائع، فنجده تحديدًا في اعتبار أن الجهة التي منحت agrément هي وحدها المخوّلة سحب هذا القبول أو إنهاء مهمته. ويستند هذا التحليل إلى مبدأ موازاة الصلاحيات المعروف في القانون الإداري، والذي يفترض أن من يملك سلطة التعيين يملك سلطة الإلغاء، ولكن للتوضيح لا ينطبق هذا المنطق في القانون الدولي الدبلوماسي، فالمادة 4 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961 تنص على أنه يجب على الدولة الموفِدة التأكد من قبول الدولة المعتمد لديها للشخص المزمع تعيينه رئيسًا للبعثة، ويُعتبر agrément إجراءً وقائيًا سابقًا على التعيين وقائمًا على التوافق الضمني، وقد أكد الفقيه أوبنهيم أن الغاية من agrément هي تجنب تعيين شخص غير مقبول سياسيًا قبل وقوع الأزمة (1). ومن خصائصه، أنه لا يحتاج إلى تعليل ويمكن رفضه دون مسؤولية دولية ولا ينشئ مركزًا قانونيًا دائمًا. أما بالنسبة لـ persona non grata، تنص المادة 9 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961 على أنه يجوز للدولة المعتمد لديها، في أي وقت ودون إبداء الأسباب، أن تعلن أي عضو في البعثة شخصًا غير مرغوب فيه، ويُعد هذا الإجراء عملًا سياديًا خالصًا ويتم بإرادة منفردة وهو غير خاضع لأي رقابة دولية جوهرية. ووفقًا للفقيه الدولي ايلين دينزا، إن persona non grata هو "السلاح التقديري الأقصى بيد الدولة المضيفة"(2) ويشمل السفراء والقائمين بالأعمال وجميع أعضاء البعثة، ما ينفي أي تمييز بنيوي بين الفئات. أما التمييز البنيوي بين النظامين، ففي القانون الإداري، ان الجهة التي تملك إصدار القرار تملك إلغاءه، وهذا غير منطبق دوليًا ولا يوجد في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961 أي نص يربط بين منح agrément وإعلان persona non grata، بل العكس تمنح المادة 9 سلطة مطلقة غير مشروطة. ويؤكد الفقه الدولي عبر الفقيه الشهير ايان بروانلي أن العلاقات الدبلوماسية تخضع لمنطق السيادة لا لمنطق التماثل الإداري (3). وبالتالي، يمكن اعتبار persona non grata ليس إلغاءً لقرار سابق، بل تصرف مستقل بالكامل. بكلام آخر، لماذا لا ينطبق مبدأ موازاة الصلاحيات؟ لسبب بسيط وأساسي أن persona non grata لا تُعدّ سحبًا للقبول، بل ممارسة مستقلة لحق سيادي.
ثانيًا، انعكاس التحليل على القانون اللبناني
بالنسبة للاجتهاد القضائي الدولي والمقارن، نبدأ بموقف محكمة العدل الدولية، ورغم عدم وجود حكم مباشر حول persona non grata، إلا أن المحكمة كرّست في قضايا مثل قضية الرهائن الدبلوماسيين في طهران (1980) المبدأ الذي يعتبر أن الحصانات والامتيازات الدبلوماسية تخضع لنظام خاص قائم على الالتزام الصارم، ما يعزز استقلال هذا النظام عن قواعد القانون الإداري الداخلي. بالنسبة للقضاء الفرنسي (أي مجلس الدولة الفرنسي)، فانه كرّس مفهوم actes de gouvernement واعتبر أن القرارات المرتبطة بالعلاقات الدبلوماسية ومنها طرد الدبلوماسيين غير قابلة للطعن القضائي (4). أما بالنسبة للقضاء الإداري المقارن، فيتجه بشكل عام إلى استبعاد الرقابة القضائية على القرارات الدبلوماسية بسبب طبيعتها السيادية. في لبنان، لقد عالجنا مسألة تطبيق persona non grata على مستوى الدستور اللبناني في القراءة السابقة بوضوح، ولكن بالعودة الى مضمون تحليل القسم الاول، يمكننا أن نستبعد مبدأ موازاة الصلاحيات داخليًا ولا يمكن القول مباشرةً بأن رئيس الجمهورية الذي يقبل أوراق الاعتماد هو وحده من يسحب القبول لأن القرار ليس سحب قبول بل إنهاء مهمة سيادية. وهنا تجدر الاشارة الى مبدأ وحدة الدولة في القانون الدولي، فتنص المادة 27 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 على أنه لا يجوز الاحتجاج بالقانون الداخلي لتبرير عدم تنفيذ الالتزامات الدولية، والدولة تُعامل كوحدة واحدة ولا يهم من اتخذ القرار داخليًا. فمن هنا، يتبيّن أن الخلط بين agrément و persona non grata يؤدي إلى إسقاط خاطئ وغير مبرر لقواعد القانون الإداري الداخلي على نظام قانوني دولي مستقل قائم على السيادة، وبالتالي يعبر عن الموقف القانوني الصحيح في أنه لا مجال لتطبيق مبدأ موازاة الصلاحيات والقرار الأخير هو عمل سيادي مستقل تمارسه الدولة بإرادة منفردة. فاستقلال نظام persona non grata عن آلية agrément يعكس الطبيعة الخاصة للقانون الدبلوماسي، حيث تتقدم اعتبارات السيادة والمرونة السياسية على الاعتبارات الشكلية، ما يفرض على الفقه الدستوري الوطني التكيّف مع هذا المنطق بدل اخضاعه لقواعد داخلية غير ملائمة.
كخلاصة، إن الخلط بين agrément وpersona non grata ليس مجرد خطأ اصطلاحي، بل هو انزلاق في فهم طبيعة القانون الدبلوماسي نفسه. ويرتبط الأول بقبول التعيين، ضمن منطق توافقي، أما الثاني فيمثّل أداة سيادية مستقلة تمارسها الدولة بإرادة منفردة لإنهاء الوجود الدبلوماسي، دون التقيد بمبدأ موازاة الصلاحيات. وفي زمن تتشابك فيه الاعتبارات القانونية والسياسية، يصبح من الضروري التمييز بين ما هو إداري وما هو سيادي، بين ما يخضع لقواعد الشكل وما يحكمه منطق الدولة.
المراجع:
1- Lassa Oppenheim, International Law
2- Eileen Denza, Diplomatic Law
3- Ian Brownlie, Principles of Public International Law
(4) اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي حول Actes de gouvernement، قرار بور (Arrêt Baur) تاريخ 21 تموز 1989
محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي