من المقرّر أن تعلن لندن في 13 أيار المقبل تشريعًا يهدف إلى التقارب مع الاتحاد الأوروبيّ، في ظلّ تدهور العلاقة الخاصة بين واشنطن ولندن بسبب الحرب في الشرق الأوسط، إذ تعدّ حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر مشروع قانون "إعادة الضبط" الذي سيمنح الوزراء صلاحيات لمواءمة معايير بريطانيا مع قواعد السوق الموحّدة للاتحاد الأوروبيّ مع تطوّرها، وهو أمر يسمّى "المواءمة النشطة".
وتأمل إدارة ستارمر في طرح مشروع القانون خلال الأشهر القليلة المقبلة، ما يعني أنه قد يصدر في وقت قريب من الذكرى العاشرة لاستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبيّ "بريكست" الذي أجري في حزيران 2016. وسينظر أعضاء البرلمان في الموافقة على منح الحكومة آلية لتبني قواعد الاتحاد الأوروبي، أحيانًا من دون تصويت برلماني كامل، في المجالات التي تغطيها اتفاقات سارية مع التكتل. وتهدف إحدى الاتفاقيات إلى تخفيف الإجراءات البيروقراطية المتعلّقة بصادرات الأغذية والنباتات، فيما توجد خطط لاتفاقية من شأنها دمج بريطانيا في سوق الكهرباء الداخلية للاتحاد الأوروبيّ.
وتسعى بريطانيا والاتحاد الأوروبيّ أيضًا إلى وضع اللمسات الأخيرة على المفاوضات في شأن برنامج حول تنقل الشباب في الوقت المناسب لعقد قمّة مشتركة في بروكسل في أواخر حزيران أو مطلع تموز، في وقت استبعد فيه ستارمر الانضمام مجدّدًا إلى السوق الموحّدة أو العودة إلى حرّية التنقل، لكنه دعا مرارًا إلى علاقة اقتصادية وأمنيّة أعمق مع أوروبا منذ فوز حزبه العماليّ في انتخابات عام 2024، وإطاحته حزب المحافظين الذي نظم "بريكست".
وكثف رئيس الوزراء دعواته أخيرًا، إذ اعتبر أن "الشراكة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبيّ ضرورية للاستعداد للتحدّيات التي نواجهها اليوم". وتكتسب جهود ستارمر زخمًا في ظلّ عدم القدرة على التنبّؤ بتصرّفات الرئيس ترامب وسيل الإهانات التي يوجّهها إلى الحليف التاريخي لأميركا، خصوصًا بعدما رفض ستارمر إشراك بريطانيا في الحرب ضدّ النظام الإيراني، ما أثار غضب ترامب، الذي هدّد أخيرًا بإلغاء اتفاقية تجارية مع لندن حدّت من تأثير التعرفات الجمركية الجديدة على بريطانيا.
ومن أسباب التقارب مع الاتحاد الأوروبي أيضًا، ارتفاع ضغوط تكاليف المعيشة على الأسر، وهو أمر ألقت وزيرة الخزانة البريطانية راشيل ريفز مسؤوليته على ترامب الذي بدأ الحرب ضدّ إيران "من دون خطة واضحة لإنهائها". وحذر صندوق النقد الدولي هذا الأسبوع من أن بريطانيا ستكون الاقتصاد المتقدّم الأكثر تضرّرًا من الحرب ضدّ إيران.
وبينما يطالب الديمقراطيون الليبراليون، الحزب الثالث في بريطانيا، بأن يتجاوز ستارمر أحد خطوطه الحمر من خلال التفاوض على اتحاد جمركي مع التكتل الأوروبي، وصف حزب "الإصلاح" اليميني الحازم، الذي يتصدّر استطلاعات الرأي ويرأسه نايجل فاراج، مشروع قانون "إعادة الضبط" بأنه "خيانة" لنتيجة استفتاء عام 2016، غير أن الاستطلاعات تظهر بانتظام أن معظم البريطانيين يندمون على التصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو أمر يأمل ستارمر في استغلاله.
في السياق، أكدت مديرة مركز الأبحاث "مجموعة السياسة الخارجية البريطانية" إيفي أسبينال لوكالة "فرانس برس" أنه "لدينا حكومة حريصة بالفعل على التقارب مع الاتحاد الأوروبي، والأحداث في إيران توفر فرصة لتسريع هذه العملية"، مشيرة إلى أنه "عندما تتصدّع العلاقة مع أميركا، ينعكس ذلك في تراجع المعارضة لعلاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي بين عامة الناس".
وذكر الخبير في السياسة التجارية البريطانية بعد "بريكست" ديفيد هينيغ أنه "لا شك أن هناك زخمًا الآن في العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبيّ، ويعود ذلك جزئيًا إلى سلوك ترامب غير الموثوق به"، لافتًا إلى أن "صياغة سياسة تجارية مستقلّة للمملكة المتحدة تبدو أكثر صعوبة، بينما تبدو آفاق العمل مع الاتحاد الأوروبي أكثر إشراقًا".