لم يعد ما يجري في الجنوب مجرد مواجهة عسكرية محدودة أو ردود فعل ظرفية، بل بات أقرب إلى نمط عملياتي واضح المعالم، يعيد إنتاج التجربة التي طبّقتها إسرائيل مع حماس في غزة، مع تعديلات تتناسب مع الجغرافيا اللبنانية وتعقيداتها السياسية.
إعلان “الخط الأصفر” ليس تفصيلاً تقنياً أو إجراءً احترازياً عابراً، بل هو مؤشر استراتيجي خطير. هذا الخط، الذي يعني عملياً قرى مدمّرة وخالية من سكانها، يشكّل بداية رسم واقع ميداني جديد: أرض بلا حياة، قابلة لإعادة التشكيل أمنياً وعسكرياً. ما نشهده هو انتقال من منطق الاشتباك إلى منطق إعادة هندسة الجغرافيا.
النموذج يتكرر بوضوح: وقف إطلاق نار مؤقت لا يُستخدم للتهدئة الفعلية، بل لإعادة تموضع الجيش الإسرائيلي، وتحـصين الاحتلال، واستكمال تدمير ما تبقّى من بنى تحتية عسكرية ومدنية. خلال هذه الفترات، يتم استهداف ما لم يُدمَّر بعد، سواء على مستوى الأنفاق أو المنشآت أو حتى مقومات الحياة المدنية، بحيث تصبح العودة شبه مستحيلة، بالإضافة إلى رسم خارطة «بنك أهداف» جديد.
ثم تأتي الجولة التالية، أكثر قسوة واتساعاً، لتنتج موجة تهجير جديدة وقضمًا إضافيًا للأراضي. يتوسع “الخط الأصفر”، وتتحول مساحات إضافية إلى مناطق محروقة. بعدها، تعود هدنة مؤقتة لا تُنهي شيئاً، بل تؤسس للدورة التالية. إنها حلقة مغلقة: تدمير، تهجير، تثبيت وقائع، ثم إعادة إنتاج الصراع بشروط أكثر قسوة.
وفي موازاة ذلك، يبرز بُعد داخلي لا يقل خطورة. فبعد كل جولة عنف، يكتفي حزب الله بتقديم سردية “النصر”، أشبه بجرعات معنوية سريعة تُسوَّق لجمهوره المنهك، فيما الوقائع على الأرض تشير إلى خسائر متراكمة وتآكل تدريجي في الجغرافيا والبنية السكانية. هذا التباين بين الخطاب والنتائج يطرح تساؤلات جدية حول جدوى إدارة الصراع بهذه الطريقة، وحول الكلفة التي يدفعها الجنوب وسكانه مقابل هذا المسار. فكيف يمكن الحديث عن انتصار، فيما كان الجيش الإسرائيلي يتمركز في خمس نقاط، ليصبح وجوده الفعلي اليوم في نحو ثلاثين قرية؟
الخطورة في هذا النموذج لا تكمن فقط في نتائجه الميدانية، بل في طبيعته التراكمية. فكل جولة لا تعيد الأمور إلى نقطة الصفر، بل تنطلق من حيث انتهت السابقة، ما يعني أن الخسارة تتراكم، والجغرافيا تتآكل تدريجياً، والواقع الديموغرافي يتبدل بصمت.
في هذا السياق، يصبح السؤال الجوهري: هل ما يجري مجرد تكتيك عسكري، أم أنه جزء من استراتيجية طويلة الأمد لإعادة رسم الجنوب كمنطقة عازلة بحكم الأمر الواقع؟ خصوصاً في ظل عجز الجيش اللبناني، الذي أُتيحت له فرصة ثمينة لنزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني، لكنه لم يستثمرها لأسباب قد يكشفها التاريخ يوماً.
الجنوب اليوم يقف أمام مفترق بالغ الخطورة: إما كسر هذه الدوامة قبل أن تترسخ وبنخرط البلد في مسار استنزافي طويل، أو اتخاذ الدولة قراراً جريئاً يُنفَّذ بشجاعة وتصميم لفصل لبنان عن إيران، قبل أن تتحول الهدن إلى مجرد فواصل بين جولات التدمير، لا أكثر.