الدكتور سايد حرقص

هل وصلنا إلى خريف "المطعوم" الإيراني؟

4 دقائق للقراءة

في الزراعة، حين يرغب المزارع في تغيير نوع ثمار شجرة ما، يلجأ إلى عملية “التطعيم”: يقطع الأغصان الأصلية ويغرس مكانها في الجذع غصناً غريباً، يعتني به حتى يكبر ويصبح هو المهيمن، منتجاً ثماراً جديدة لا تشبه ما كانت الشجرة تعطيه سابقاً. هذه الصورة المجازية تصلح إلى حدّ كبير لوصف التحوّل الذي شهدته البيئة الشيعية في لبنان خلال العقود الأربعة الماضية.

فحتى بداية الثمانينات، كانت الطائفة الشيعية في لبنان تعكس تنوّعاً فكرياً وسياسياً واسعاً: من إرث الفقه العاملي المتجذّر، إلى مدرسة الإمام موسى الصدر ذات البعد الوطني والاجتماعي، مروراً باجتهادات السيد محمد حسين فضل الله الإسلامية المنفتحة، وصولاً إلى حضور قوي لتيارات علمانية ويسارية وشيوعية وازنة. كان المشهد متعدّد الفروع والألوان والأفكار، يعكس حيوية داخلية وتفاعلاً طبيعياً مع النسيج اللبناني.

غير أنّ هذا التنوّع بدأ يتقلّص تدريجياً منذ منتصف الثمانينات، مع اعتماد العنف والاغتيالات لتسهيل صعود نموذج عقائدي غريب قائم على “ولاية الفقيه”، مدعوماً بشكل مباشر من إيران عبر أدوات تنظيمية ومالية وعسكرية كبيرة. لم يكن الأمر تطوّراً داخلياً طبيعياً، بل عملية “تطعيم” ممنهجة أعادت تشكيل البنية الفكرية والاجتماعية عبر المساجد والمدارس والحسينيات والمؤسسات.

لكن الأخطر لم يكن في العامل الخارجي وحده، بل في الغطاء الداخلي الذي سمح لهذا المسار أن يترسّخ ويتحوّل إلى واقع دائم. فمنذ مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، وتحديداً مع تولّي الجنرال إميل لحود قيادة الجيش، جرى تكريس معادلة خطيرة: جيش رسمي ضعيف في مقابل “مقاومة” خارجة عن أي مساءلة. لم يكن ذلك مجرد تقصير، بل خياراً سياسياً-أمنياً واضحاً سمح بتثبيت هذا المسار تحت مظلة الاحتلال السوري المباشر. ومع انتقال لحود إلى رئاسة الجمهورية، ازداد النهج ترسّخاً، وتحول الغطاء من ضمني إلى صريح، وبلغ هذا النهج الخطير ذروته مع وصول الرئيس ميشال عون إلى كرسي بعبدا، ما وفّر البيئة المثالية لنمو “المطعوم” وتوسّعه.

وهكذا، لم تعد “الشجرة” تعطي ثماراً تشبه جذورها الأصلية، لا في الخطاب ولا في الهوية السياسية. تحوّل الانتماء من إطار لبناني متنوع إلى مشروع عقائدي إيراني، تتقدّم فيه الأولويات والمصالح الإيرانية على أي من الاعتبارات الوطنية.

اليوم، يبرز سؤال جوهري: هل بدأ هذا “المطعوم” يدخل مرحلة الخريف؟

المؤشرات متعددة. إقليمياً، يواجه المشروع الإيراني ضغوطاً متزايدة. داخلياً، أدى تورّط حزب الله في حروب مدمرة، من إسناد غزة وصولاً إلى اليوم، إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ما أدى إلى ظهور تململ صامت حتى داخل البيئة الحاضنة له، خاصة لدى الأجيال التي لم تعرف سوى هذا الواقع، لكنها بدأت تلمس حدوده وتناقضاته وأوهامه.

الخريف هنا لا يعني سقوطاً فورياً، بل بداية تآكل بطيء. فكما أن أي تطعيم يحتاج إلى بيئة سليمة ليستمر، فإن استمرار هذا النموذج يتطلب قدرة على إقناع الناس بجدواه، لا فرضه بقوة الأمر الواقع فقط. ومع اتساع الفجوة بين الخطاب والواقع بفعل نتائج الحروب المدمّرة، يصبح الرجوع إلى الجذور احتمالاً قائماً، ولو تدريجياً.

فهل هذا “المطعوم”، لا يزال قادراً، بفضل تواطؤ المنظومة اللحودية–العونية–الأسدية- الذمية، على تجديد نفسه وفرض دورات جديدة من السيطرة؟

أم أنّ اللبنانيين الحقيقيين سيتكاتفون لإعادة تقوية الجذع الشيعي الأصيل، فيمدّونه بعناصر الحياة والصمود، كي يستعيد قدرته على لفظ ذلك المطعوم الغريب، ويعيد إطلاق دورة نموّه الطبيعية، فتنبت من جديد براعمه الأصيلة، ويزهر كما كان، على سجيّته الأولى، حرّاً في جذوره وهويّته؟