رحلة ذاتيّة نابضة بالذكريات والوجع الشخصي، يقدّمها المخرج والكاتب والممثل شادي الهبر ضمن عرض مسرحيّ يتقاطع مع واحدة من أكثر الفترات قسوة في تاريخ لبنان، هي الحرب الأهلية. تحت عنوان "ضاع شادي"، يستعيد الهبر تفاصيل نشأته في ظلّ الحرب، لا بهدف سرد الوقائع بقدر ما هو لنقل تجربة عيشها بكل ما تحمله من خوف وتحوّلات يومية.
اختيار شادي الهبر للفترة الممتدة بين عامَي 1976 و1990، يرتبط ببدايات وعيه وبتوقف الحرب مطلع تسعينات القرن الماضي. "أول 15 سنة من حياتي كانت ضمن هذا الواقع"، يقول الهبر لـ "نداء الوطن". ويتابع: "الحرب لم تكن مجرّد إطار زمني، بل قوة ضاغطة فرضت إيقاعها على تفاصيل الحياة. فقد كانت الحرب تتحكّم بكلّ شيء، ولم يكن ممكنًا أن نعيش أو نقرّر من دون أن تفرض شروطها علينا".
يوضح الهبر أن "ضاع شادي" هي "عمل توثيقيّ من حيث مادته، لكنه قائم على زاوية ذاتية واضحة، إذ كلّ ما في هذا العمل هو من حياتي الشخصية. وقد اخترتُ تقديمه كما هو من دون أي تدخل خارجي، وسرد الوقائع كما هي، من دون تحليل أو إسقاطات، مع ترك حريّة التفاعل معها للجمهور، إيمانًا مني بأنّ الفن يفتح المجال أمام التأويل بدل فرض المعنى".
مسار من المواجهة
يأتي هذا العمل الذي يُعرض في محترف "مسرح شغل بيت" الكائن في فرن الشبّاك، نتيجة مسار طويل من مواجهة الذاكرة، لا سيّما في جانبها المرتبط بالصّدمات. ويكشف مؤسّس "مسرح شغل بيت" أن "هذه التجارب احتاجت إلى سنوات كي أتمكّن من مواجهتها والتصالح معها، قبل أن تتحوّل إلى مادة مسرحية. ودافعي لم يكن تقديم رسالة محدّدة، بل خلق مساحة عيش مشتركة مع الجمهور الذي اخترتُ أن أعيش هذه اللّحظات معه".
بُنية العرض تقوم على تداخل حيّ بين الأداء المسرحيّ والتوثيق المصوّر، حيث تكمل فيديوات أسرة شادي الهبر ما يطرحه على الخشبة، في صياغة تجمع بين الحضور المباشر والذاكرة. في هذا الإطار، يؤكّد الهبر أن عمله المسرحيّ هذا "يتجنب إعادة سرد الأحداث الكبرى، ويركّز على تجربة عيشها. فأنا لا أروي الوقائع، بل أحكي كيف عشناها بما تحمله من خوف وتفاصيل يوميّة، ما يعيد وضع التجربة الإنسانية في صلب الحكاية".
مسار مفتوح
يشدّد الهبر على أن العرض الذي يقدّمه حاليًا، "قد يُمثل أيضًا مسارًا مفتوحًا في البحث عن الهوية، ضمن محاولة لفهم مكنوناتي التي لا أزال أكتشفها. فكلّ مرحلة من العمل تكشف لي طبقات جديدة من ذاتي، وفي كلّ عرض تنفتح أمامي مشاعر كانت مدفونة منذ سنوات، في عملية مستمرة من الاكتشاف الشخصي والفني".
نسأل صاحب العمل عن كيفيّة كتابة النص، فيجيب أن العمليّة "جاءت بصورة مكثفة بعد تراكم طويل، إذ كُتِب هذا العمل خلال أربع ساعات لأنه كان مختمِرًا في داخلي منذ زمن. واختيار أسلوب "المونودراما" في تقديمه يأتي انسجامًا مع طبيعة التجربة، إذ أن السَّرد الفردي هو الأنسب لنقل هذا النوع من القصص".
أما بالنسبة للإخراج، فيلفت الهبر في حديثه معنا إلى كونه اختار "مقاربة إخراجية بسيطة تقوم على الصدق والتكامل بين العناصر"، فما أراده هو تجربة تجمع بين الكتابة والتمثيل والإخراج ضمن رؤية واحدة. ويضيف: "لا أقدّم نفسي ككاتب مسرحيّ تقليدي، بل صاحب تجربة محدّدة نابعة من مسيرتي. وعودتي إلى التمثيل شكّلت لحظة مفصلية، إذ شعرتُ أن ثمّة شيئًا كان ينقصني واكتمل عندما وقفت على الخشبة".
التجربة أعادت لشادي الهبر توازنًا داخليًا، رغم صعوبة مواجهة هذه المادة الشخصية. فالطابع الشخصيّ للعمل لا يلغي امتداده الجماعي بل يعززه. ويشرح هنا أن "كثيرين عاشوا مشاعر مشابهة أو قريبة ممّا عشته، ما يمنح العرض قدرة على التفاعل مع تجارب الآخرين، وتكريمًا لمشاعر كل من عاش الحرب ولم يُسأل عنها".
بذلك، لا تبدو "ضاع شادي" مجرّد عرض مسرحي، بل مواجهة حيّة مع ذاكرة شخصية تتقاطع مع وجع جماعي لم يُحكَ بما يكفي. ومن خلال هذا العمل، لا يسعى شادي الهبر إلى تفسير الحرب أو تبسيطها أو إلى تقديم أجوبة أو رسائل جاهزة، بل إلى استحضار أثر تلك المرحلة كما عاشها، بكل ما فيها من التباس وثقل إنساني. هكذا، يترك العرض أثره في الجمهور لا كحكاية تُروى وتنتهي، بل كتجربة تُعاش وتبقى مفتوحة على أسئلة لا تهدأ حول الحرب والهوية والذاكرة، على أمل أن تبقى هذه التساؤلات حيّة في ذهن الجمهور بعد انتهاء العرض.
مسرح شغل بيت انطلق المخرج شادي الهبر في تجربة "مسرح شغل بيت" عام 2016. مشروعه جاء من رغبة في خلق فضاء مختلف، إذ "حوّلتُ بيتًا في فرن الشباك إلى مسرح"، ويتابع الهبر موضحًا أن "هذا المكان تطوّر تدريجيًا ليصبح مساحة حاضنة للتجارب الفنية"، لافتًا إلى أن "الأماكن الحميمة تتيح حريّة أكبر في الإبداع بعيدًا من الطابع التجاري، وتسهم في الحفاظ على روح المسرح الثقافي". وفي زمن الأزمات الراهنة، يعتبر الهبر أن "الأزمات المتلاحقة تجعل الحاجة إلى المسرح أكثر إلحاحًا". |
