مع انعقاد جلسة مجلس الوزراء اليوم، تتصاعد مناشدات أبناء بعلبك الهرمل إلى كل من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، لوضع حدّ لمسار يعتبره الأهالي استنزافًا مستمرًا لحقوق منطقتهم، ومنع تكرار هدر حصتهم في التعيينات الإدارية والأمنية، لا سيما في ما يتعلق بموقع محافظ النبطية. وتأتي هذه المناشدة كجرس إنذار أخير، حيث يُخشى أن تُكرَّس في هذه الجلسة معادلة جديدة من الإقصاء، تُضاف إلى سلسلة طويلة من القرارات التي همّشت حضور بعلبك – الهرمل في مواقع الفئة الأولى.
تتفاقم في الآونة الأخيرة حالة الاحتقان في أوساط أبناء المحافظة على خلفية ما يعتبرونه مسارًا ممنهجًا لإقصائهم عن حصتهم المتعارف عليها في التعيينات الشيعية، في مشهد يعيد طرح أسئلة عميقة حول معايير التوازن المناطقي والعدالة داخل البيئة السياسية الواحدة. فالمحافظة التي لطالما شكّلت ركيزة بشرية أساسية في المعادلات الوطنية، تجد نفسها اليوم، وفق تعبير كثير من فاعلياتها، خارج معادلة تقاسم المواقع الحساسة، في مقابل تركّز هذه التعيينات بشكل شبه حصري في محافظتي الجنوب والنبطية.
وتستند هذه الشكوى إلى سلسلة من الوقائع التي يراها أبناء المنطقة دليلًا على التهميش المتراكم، بدءًا من حرمان أبنائهم من رتبة لواء، حيث جرى حصر هذه المناصب ضمن إطار جغرافي محدد، مرورًا بإقصائهم عن رئاسة المجلس الأعلى للجمارك، وصولًا إلى مختلف التعيينات الإدارية والعسكرية في الفئة الأولى التي شهدت، بحسب منتقدين، اختلالًا واضحًا في توزيعها. هذا التراكم لم يعد يُنظر إليه على أنه سهوٌ، بل كنهج مستمر يعكس خللًا في مقاربة الشراكة داخل الطائفة نفسها.
وتتجه الأنظار اليوم إلى استحقاق جديد يزيد من منسوب التوتر، يتمثل في موقع محافظ النبطية، الذي يُعتبر آخر موقع أساسي يُدرج ضمن الحصة غير المكتوبة لأبناء بعلبك - الهرمل. إلا أن جدول اعمال جلسة مجلس الوزراء اليوم يشير إلى إقصاء جديد لبعلبك الهرمل عن هذا الموقع، في خطوة تُوصَف بأنها تتجاوز الأعراف الإدارية والتوازنات التقليدية، وتندرج في سياق فرض الأمر الواقع عبر منطق المحاصصة السياسية. هذا التوجّه، إن تأكد، سيُنظر إليه كضربة إضافية لمبدأ التمثيل العادل، خصوصًا أنه يأتي بعد سلسلة طويلة من الاستبعادات.
وتحمّل الغلبية من أبناء المنطقة المسؤولية الأساسية في هذا المسار إلى ثنائي حركة "أمل" و "حزب الله"، اللذين يُفترض أنهما يمثلان الشارع الشيعي بمختلف مناطقه، لكنهما، وفق المنتقدين، لم ينجحا في تحقيق توازن داخلي عادل، بل كرّسا واقعًا يُعطي الأفضلية الجغرافية والسياسية لمناطق محددة على حساب أخرى. ويذهب بعضهم أبعد من ذلك، معتبرًا أن بعلبك - الهرمل تُستَخدم كخزان بشري في لحظات المواجهة، دون أن تُترجم هذه التضحيات إلى حضور فعلي في مراكز القرار.
وتزداد حدّة هذا الطرح في ظل المعطيات المرتبطة بالحرب الدائرة في الجنوب، حيث يشير ناشطون وفاعليات محلية إلى أن نسبة كبيرة من الذين سقطوا هم من أبناء بعلبك - الهرمل، ما يعمّق الشعور بالغبن، ويطرح تساؤلات قاسية حول طبيعة العلاقة بين التضحية والتمثيل. فبالنسبة لهؤلاء، لا يمكن القبول باستمرار معادلة تُطلب فيها الدماء عند الحاجة، بينما تُحجب المواقع عند توزيع السلطة.
في هذا السياق، جاء تحرك العشائر والعائلات في المنطقة ليشكّل نقطة تحوّل في التعبير عن الرفض، إذ عبّروا عن موقف موحّد يرفض أي محاولة لتجاوز التوازن المناطقي في التعيينات، معتبرين أن ما يُطرح حاليًا بشأن منصب محافظ النبطية هو امتداد لنهج إقصائي قديم. وقد حمل موقفهم نبرة تصعيدية واضحة، مع التأكيد على أن مرحلة الصمت انتهت، وأن الخيارات المفتوحة تشمل التحركات الشعبية والتصعيد المدني في حال استمرار تجاهل مطالبهم، مع التشديد على أن الحقوق لا يمكن أن تبقى رهينة التسويات السياسية الضيقة.
ويعكس هذا التصعيد تحوّلًا في المزاج العام داخل بعلبك - الهرمل، حيث لم يعد النقاش مقتصرًا على النخب السياسية، بل بات يمتد إلى القواعد الاجتماعية والعشائرية التي تشعر بأن كرامتها وحقوقها باتت على المحك. كما أن هذا الحراك يضع القوى السياسية أمام اختبار دقيق، إذ إن تجاهل هذه المطالب قد يؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي، في حين أن الاستجابة لها تتطلب إعادة نظر جدية في آليات توزيع السلطة داخل البيئة الواحدة.
لذلك، لا يبدو أن القضية هي خلاف على منصب إداري، بل هي تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بمفهوم الشراكة والعدالة داخل النظام السياسي اللبناني، وحتى داخل المكونات الطائفية نفسها. وبينما يرفع أبناء بعلبك - الهرمل صوتهم عاليًا مطالبين بحقوق يرونها بديهية، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه جلسة مجلس الوزراء اليوم، وما إذا كانت ستشكّل فرصة لتصحيح نسبي للخلل وإنصاف منطقة دفعت أثمانًا باهظة، أم محطة جديدة تُكرّس شعورًا متناميًا بأن التضحيات لا تُقابل بشراكة حقيقية في الدولة.