ميشيلا رزق

حين يصبح الاسم سلاحًا

7 دقائق للقراءة

المصدر: The Beiruter

كتبت ميشيلا رزق في موقع the Beiruter المقال الآتي:


"الغضب الملحمي". "زئير الأسد". " الظلام الأبدي".

لم تعد الحروب اليوم تُولد بلا أسماء، بل تظهر منذ لحظتها الأولى مُحمّلة بعناوين جاهزة، مُكثّفة في عبارات أقرب إلى الأسطورة منها إلى اللغة العسكرية. في المواجهات الأخيرة التي ضمّت الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بدا الخطاب واضحًا: غضب، وأسود، وظلام.

هذه ليست مجرد تسميات، بل سرديات تُرسم مسبقًا، تُحدّد معنى الحرب قبل أن تتضح ملامحها.

اللغة… ساحة القتال الأولى

لا توجد جهة دولية تتولّى تسمية الحروب. فالأسماء تتكوّن عبر عملية مركّبة تتداخل فيها الدول، والمؤسسات العسكرية، والقيادات السياسية، والمنظومات الإعلامية، وصولًا إلى نتيجة الحرب نفسها. وما يبقى في النهاية ليس بالضرورة ما يُقال أولًا، بل ما يثبت أنه الأقدر على التأثير والانتشار.

أسماء الحروب نادرًا ما تكون وصفية بحتة، بل تعبّر عن موقع وموقف. فالتسمية قد تُعيد تقديم الهجوم بوصفه دفاعًا، أو تُخفّف من وقع الهزيمة، أو تُحدّد المسؤوليات قبل أن تستقر الوقائع. بهذا المعنى، لا تكون التسمية تفصيلًا لاحقًا، بل جزءًا أصيلًا من مسار الحرب.

حين تتحول الأسماء إلى سلاح

يتجلّى ذلك بوضوح في النزاعات المعاصرة. فقد اعتادت إسرائيل إطلاق تسميات على عملياتها في غزة مثل «الجرف الصامد» و«حارس الأسوار»، في صياغة تُقدّم العمل العسكري كضرورة دفاعية. في المقابل، اعتمدت الفصائل الفلسطينية تسميات مثل «الفرقان» و«سيف القدس»، مستحضرة الرمزية الدينية وأبعاد الصراع الأخلاقي. هذه ليست ترجمات متقابلة، بل روايات متنافسة. فكل طرف لا يكتفي بوصف الحرب، بل يسعى إلى تعريفها.

الاسم كأداة حرب

تعكس طريقة تسمية الحروب اليوم تحوّلًا أعمق في طبيعة الخطاب. فلم تعد التسمية مجرد توصيف، بل أصبحت فعلًا مقصودًا تُصوغه وحدات الاتصال العسكري والقيادات السياسية ضمن استراتيجيات مدروسة للرسائل. وفي بيئة إعلامية فورية، يُفترض بالاسم أن ينتشر بسرعة، وأن يكون سهل الحفظ والتكرار، وقادرًا على إثارة الانفعال.

لهذا، تستعير أسماء الحروب الحديثة مفرداتها من الدين والأسطورة والمشهدية. تعابير مثل «طوفان الأقصى» و«الوعد الصادق» تحمل حمولة دينية واضحة، فيما تستحضر تسميات مثل «الأسد الزائر» و«السيوف الحديدية» صور القوة والرمزية. أما عناوين أخرى كـ«غضب ملحمي» أو «عناقيد الغضب»، فتعتمد على الشحنة العاطفية والإيحاء الثقافي. لم تكن التسمية على هذا النحو دائمًا.

قبل أن تصبح التسمية خطابًا

تاريخيًا، كانت أسماء الحروب أقرب إلى الوظيفة منها إلى الخطاب. كانت تجيب عن أسئلة مباشرة: أين دارت الحرب؟ حرب فيتنام، الحرب الكورية، حرب القرم. من أطرافها؟ الحرب الروسية–اليابانية، الحرب الروسية–العثمانية. كم امتدت؟ حرب الأيام الستة، حرب الثلاثين عامًا، حرب المئة عام. كانت التسميات تُحدّد المكان أو الزمن أو السياق، من دون أن تسعى إلى تأويل المعنى.

لكن الأهم أن هذا التحول يكشف حقيقة أعمق: لم يعد من البديهي أن تحمل الحرب اسمًا واحدًا.

نادراً ما يتجلى ذلك بوضوح كما في الصراع العربي–الإسرائيلي. فحرب عام 1948 تُعرف في إسرائيل بـ«حرب الاستقلال»، بوصفها لحظة تأسيس الدولة. وفي العالم العربي، تُعرف بـ«النكبة»، بما تختزنه من معاني التهجير والخسارة والانكسار. حرب واحدة، وسرديتان لا تلتقيان.

يتكرر المشهد عام 1967. في إسرائيل تُعرف الحرب بـ«حرب الأيام الستة»، في إشارة إلى سرعة الحسم العسكري، بينما تُسمّى في العالم العربي «النكسة»، وهو المصطلح الذي صاغه الرئيس المصري جمال عبد الناصر عقب الهزيمة. هنا، تتحول التسمية إلى أداة لإدارة الواقع سياسيًا، لا مجرد توصيف له.

وفي عام 1973، يتعمّق هذا التباين. في إسرائيل تُسمّى «حرب يوم الغفران»، نسبة إلى توقيت الهجوم في يوم ديني، بينما تُعرف في مصر بـ«حرب العاشر من رمضان»، وفي سوريا بـ«حرب تشرين التحريرية». كل تسمية تعيد صياغة الحرب من زاوية هوية مختلفة، وتُعيد تمركزها حول سردية خاصة.

حين يتدخل التاريخ

أحيانًا، لا تأتي التسمية كردّ فعل، بل كخيار استراتيجي. فالقادة لا يكتفون بخوض الحروب، بل يسعون إلى تأطيرها. في عام 1956، عُرفت المواجهة التي شاركت فيها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل باسم «أزمة السويس». لكن جمال عبد الناصر أعاد تسميتها «العدوان الثلاثي»، محوّلًا الرواية من أزمة إلى فعل اعتداء. لم تعد حربًا تُدار، بل انتهاكًا يُدان.

وبعد عقود، اعتمد صدام حسين مقاربة مختلفة. عقب هزيمة العراق عام 1991، وصف المواجهة بدايةً بأنها «معركة»، في محاولة لتقليل وقعها، قبل أن يرفعها لاحقًا إلى «أم المعارك»، ساعيًا إلى تحويل الهزيمة العسكرية إلى رمز للصمود. لم يكن الاسم انعكاسًا للواقع، بل محاولة لإعادة تشكيله.

ليست كل الحروب تُسمّى في لحظتها. بعضها يكتسب اسمه لاحقًا، عندما يتضح موقعه في السردية التاريخية. ما نعرفه اليوم بـ«الحرب العالمية الأولى» كان يُشار إليه آنذاك بـ«الحرب الكبرى» أو «الحرب الأوروبية»، ولم يصبح «الأول» إلا بعد أن فرضت حرب ثانية هذا التصنيف.

حتى مصطلح «الحرب العالمية الثانية» لم يكن مستقرًا منذ البداية، إذ تداوله البعض قبل أن تتبلور الحرب، ونافسته تسميات أيديولوجية مثل «الحرب من أجل الحضارة». في النهاية، انتصر الاسم الأبسط.

أما «الحرب الباردة»، فتمثل حالة مختلفة. فقد صاغ جورج أورويل المصطلح عام 1945، قبل أن يتشكّل الصراع الجيوسياسي الذي سيصفه لاحقًا. وانتشر لاحقًا حين تبنّاه صانعو القرار لوصف مواجهة عالمية أيديولوجية مستمرة، من دون صدام مباشر بين أطرافها الرئيسية. هنا، سبق الاسم الواقع.

وفي حالات أخرى، يتدخل التاريخ بشكل أعمق. فـ«حروب الوردتين» في إنكلترا خلال القرن الخامس عشر لم تكن تُعرف بهذا الاسم في زمنها، بل كانت تُصنّف كحروب أهلية. وقد ظهر المصطلح لاحقًا، متأثرًا بالأدب، ولا سيما أعمال شكسبير، قبل أن يُرسّخه التأريخ في القرن التاسع عشر. لم يكتفِ التاريخ بتوثيق الحروب، بل أعاد تسميتها.

وقد تختزل التسمية أحيانًا حروبًا متعددة ضمن سردية واحدة. فالحروب في كوريا وفيتنام وأفغانستان تُقدَّم غالبًا كأحداث منفصلة، لكنها تُدرج ضمن إطار أوسع هو «الحرب الباردة». وكذلك تُختزل الحروب الأميركية في أفغانستان والعراق تحت عنوان «الحرب على الإرهاب»، فيتحول تعدد النزاعات إلى حملة واحدة مستمرة. هنا، لا تُميّز التسمية بين الحروب، بل تختصرها وتضغطها في رواية واحدة.

حرب قائمة… بلا تسمية

القتال على الحدود الجنوبية للبنان تجاوز من حيث الحجم والخصائص كونه مجرد تصعيد محدود، ليأخذ ملامح حرب قائمة بذاتها.

ومع ذلك، لا يزال بلا اسم مستقر. يُشار إليه أحيانًا بـ«جبهة لبنان» أو «المواجهة بين إسرائيل وحزب الله»، لكن أيًا من هذه التسميات لم يترسّخ حتى الآن.

هذا الغموض ليس استثناءً. فكثير من الحروب لا تُسمّى إلا بعد أن تتضح معانيها. في عام 2006، استقر مصطلح «حرب تموز» لأنه جمع بين التوقيت والتفسير السائد لنتائج المواجهة، فبقي لأنه منح الحرب معنى.

أما اليوم، فلا يوجد توافق مشابه. وإذا ما تحوّلت هذه المواجهة إلى آخر حرب كبرى في الشرق الأوسط، فلن تكتفي بإعادة رسم ملامح المنطقة، بل ستفرض أيضًا اسمًا يختزل نهايتها. غير أن هذا الاسم، إن وُجد، سيبقى كما في كل مرة رهناً بمن يكتب الرواية.