جوزيف بوهيا

لا خلاص للبنان إلا بكسر معادلة الدويلة

6 دقائق للقراءة

تميّزت اطلالة سمير جعجع الأخيرة بأنها أعادت الأزمة اللبنانية إلى حقيقتها السياسية العارية، بعيدًا عن الضباب الذي أحاط بها لسنوات، وعن العناوين الجانبية التي استُخدمت لتأجيل مواجهة أصل المشكلة. جوهر المأزق اللبناني ليس في الخارج أولًا، ولا في نقص المبادرات، ولا في ضعف الرعاية الدولية، بل في الداخل نفسه: في وجود عجز عن الإمساك الكامل بالقرار، في مقابل "دويلة" ما زالت تملك القدرة على التعطيل والفرض ومنع الدولة من التحوّل إلى سلطة فعلية.

هذه هي العقدة الأصلية التي يتفرّع عنها كل شيء. فلا يمكن لأي بلد أن يستقيم فيما قراره موزّع، وسيادته منقوصة، ومؤسساته الرسمية غير قادرة على تحويل قراراتها إلى أفعال. الأخطر أن هذا الخلل لم يعد مجرد اختلال سياسي في موازين القوى، بل تحوّل إلى خلل بنيوي داخل جسم الدولة نفسه، حيث تبدو السلطة الشرعية في مكان، وأدوات التنفيذ في مكان آخر. تصدر القرارات، لكن التنفيذ يبقى متعثرًا، جزئيًا، أو خاضعًا لموازين ردع غير معلنة. وهنا بالذات تتكشف حقيقة الأزمة اللبنانية: دولة تقرر نظريًا، لكنها لا تحكم فعليًا.

من هذا المنطلق، لا يعود الحديث عن سلاح حزب الله موقفًا سجاليًا أو مادة انقسام سياسي عابر، بل يتحوّل إلى مسألة تأسيسية تتعلّق بإمكان قيام الدولة من أساسه. فالمشكلة لم تعد مرتبطة بخيار استراتيجي مختلف أو بوجهة نظر متباينة حول الصراع في المنطقة، بل أصبحت مسألة تتصل مباشرة ببقاء لبنان نفسه. لا اقتصاد يمكن أن يتعافى، ولا مؤسسات يمكن أن تنتظم، ولا ثقة عربية أو دولية يمكن أن تعود بجدية، ما دام البلد يعيش في ظل معادلة قاتلة: شرعية دستورية قائمة بالاسم، وقوة موازية قائمة بالفعل، تملك حق تعطيل الدولة متى شاءت، وتستطيع أن تفرض على اللبنانيين أكلاف خيارات لا قرار لهم فيها.

قوّة الخط الذي عبّر عنه جعجع أنه يرفض هذا الواقع من زاوية لبنانية خالصة، لا من زاوية إرضاء الخارج أو الانصياع له. فهو لا يقول إن معالجة هذه المعضلة مطلوبة لأن واشنطن أو الخليج أو أوروبا تريدها، بل لأن اللبنانيين أنفسهم هم أول ضحاياها، ولأن بلدهم لم يعد قادرًا على الاستمرار بهذا الشكل. فلبنان لم ينهَر لأن شعبه فقد كفاءته، ولا لأن اللبنانيين أصبحوا أقل قدرة على النجاح أو الإنتاج، بل لأن دولتهم بقيت مشلولة، منقوصة، مخترقة، ومحرومة من حقها الطبيعي في احتكار القرار والسيادة والسلاح. وهذه هي الحقيقة التي جرى طمسها طويلًا تحت عناوين "الخصوصية" و"التوازن" و"المرحلة"، فيما كانت الدولة تُفرّغ تدريجيًا من معناها.

وفي هذا السياق، يكتسب الكلام عن التفاوض مع إسرائيل معناه الواقعي والفعلي. فهو ليس تحوّلًا عقائديًا، ولا إعادة تموضع نظريًا، ولا انقلابًا على المسلمات، بل تعبير عن ضرورة فرضها الخراب الذي أُدخل إليه لبنان. وهذا بالضبط ما يمنح هذا الطرح صلابته: أنه لا يبيع الناس أوهامًا، ولا يموّه حجم الكلفة، ولا يتلطى خلف اللغة الخشبية. فلبنان لا يحتمل حربًا مفتوحة، ولا يملك المقومات الاقتصادية ولا العسكرية ولا البنيوية التي تسمح له بالعيش في منطق المواجهة الدائمة. ومن هنا، فإن أي سياسة مسؤولة تبدأ من هذه الحقيقة، لا من المزايدات التي أوصلت البلد إلى الانهيار ثم طالبت اللبنانيين بدفع الفاتورة باسم الشعارات نفسها.

ولا تقل أهمية عن ذلك حقيقة أن هذا الخطاب لا يدفع نحو انفجار داخلي، ولا يؤسس لتعبئة أهلية أو مذهبية، بل يعيد تثبيت الشرط الوحيد القادر على حماية الاستقرار: قيام دولة واحدة فعلية، بمرجعية واحدة، وقرار واحد، وحدود ممسوكة، ومؤسسات تنفّذ ما تقرره السلطة الشرعية. فالتجربة اللبنانية أثبتت أن أخطر ما يهدد السلم الأهلي ليس قيام الدولة، بل غيابها، وليس حسم المرجعية، بل ازدواجها، وليس فرض القانون، بل وجود من يبقى فوقه أو خارجه. لذلك، فإن تصوير الدعوة إلى استعادة الدولة وكأنها تهديد للاستقرار ليس إلا دفاعًا مقنّعًا عن استمرار الشلل وتمديدًا متعمدًا لعمر الأزمة.

كذلك، فإن هذا الطرح يكتسب صدقيته من أنه لا يكتفي بوصف الخلل، بل يضع الإصبع على موضعه التنفيذي الحاسم. فالمعضلة ليست فقط في إصدار القرارات أو المراسيم، بل في غياب جهاز دولة قادر على تحويل القرار السياسي إلى فعل سيادي. وهذا يعني أن استعادة الدولة لا تكون بالشعارات ولا بالنوايا الحسنة وحدها، بل بإعادة وصل القرار بالتنفيذ، والسلطة بالإدارة، والحكومة بالمؤسسات، بحيث يعود ما تقرره الشرعية ملزمًا ونافذًا، لا مجرد نصوص معلقة في الفراغ السياسي والأمني.

إن جوهر هذا الخط ليس دفاعًا عن شخص، ولا ترويجًا لحزب، بل تثبيت لمبدأ لا يمكن للبنان أن يقوم من دونه: لا دولة حقيقية ما دام فيها من يعلو على الدولة، ولا سيادة فعلية ما دام قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات، ولا معنى لأي تفاوض أو دعم أو رعاية أو تسوية ما دام الداخل اللبناني نفسه لم يُحسم لمصلحة الدولة. هذه ليست وجهة نظر قابلة للتجميل أو المساومة، بل خلاصة تجربة مريرة عاشها اللبنانيون على مدى عقود، ودفعوا أثمانها من اقتصادهم وأمنهم ومؤسساتهم ومستقبل أبنائهم.

لهذا، فإن أكثر ما يحتاجه لبنان اليوم ليس المزيد من الخطابات الملتبسة، ولا المزيد من تدوير الزوايا، ولا المزيد من التسويات المؤقتة التي تؤجل الانفجار من دون أن تعالج أسبابه، بل وضوح سياسي كامل في تسمية العلة. والعلة واضحة: لا يمكن بناء دولة فوق معادلة الدويلة. ولا يمكن إنقاذ بلد فيما سلطة القرار فيه موزعة بين الشرعية ومن ينقضها. ولا يمكن مطالبة العالم بمساعدة لبنان قبل أن يثبت لبنان أنه قرر أخيرًا أن يحكم نفسه بنفسه، وأن تكون دولته وحدها صاحبة السلطة والحدود والسلاح.

من هنا، لا تبدو وجهة النظر التي عبّر عنها جعجع مجرد موقف سياسي في لحظة متوترة، بل تبدو أقرب إلى خط إنقاذي واضح وصارم: لا مخرج للبنان قبل استعادة الدولة، ولا استعادة للدولة قبل كسر المعادلة التي أبقت الدويلة شريكًا قسريًا في تقرير مصيره. وما لم يُحسم هذا الأمر، سيبقى كل حديث عن الإنقاذ مجرد إدارة للأزمة، لا خروجًا منها.

لبنان لا تنقصه المبادرات بقدر ما تنقصه الدولة. لا تنقصه العناوين الكبيرة بقدر ما ينقصه التنفيذ. لا تنقصه الوعود بقدر ما ينقصه الحسم. ولهذا، فإن الخط الأكثر جدية اليوم ليس ذاك الذي يجمّل الأزمة أو يتهرب من أصلها، بل الذي يقولها بوضوح كامل: لا خلاص للبنان ما دام فيه ما هو أقوى من دولته.