أنطونيو فرحات

مقاطعة إسرائيل بين الواقع القانوني وجماعة الأمر الواقع

3 دقائق للقراءة

يكثر في الآونة الأخيرة الحديث عن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل وما إذا كان الدستور يُحرّم أو يجرّم ذلك، كما يتم التطرق إلى قانون مقاطعة إسرائيل، وعليه يطرح السؤال هل التفاوض مع إسرائيل دستوري وقانوني أم لا؟ وعلى ماذا ينص قانون مقاطعة إسرائيل الصادر بتاريخ 23/6/1955؟ 

بادئ ذي بدء، لا يوجد نصّ في الدستور اللبناني يمنع التفاوض مع إسرائيل والدليل على ذلك، أنه جرت سابقًا مفاوضات عدّة أدت إلى اتفاقيات تحت تسميات عدّة منها اتفاقية الهدنة ومنها اتفاقية الترسيم ومنها اتفاقية وقف إطلاق النار وكلها كانت نافذة وسارية المفعول. غير أن المفاوضات المباشرة التي يدعو إليها فخامة الرئيس تثير حساسية البعض بسبب اعتناقهم أفكارًا قومية أو إيديولوجية تتناقض مع فكرة الاعتراف بوجود إسرائيل وطبعًا هذا أمر فيه انفصال عن الواقع لدى هؤلاء.

أبعد من ذلك، يقبل من يمانع في التفاوض المباشر أن يفاوض هو بنفسه بواسطة طرف ثالث ويعترف بإسرائيل على غرار ما فعل دولة الرئيس بري في مؤتمره الصحافي عند الترسيم البحري حيث ذكر دولة إسرائيل أكثر من مرة في كلمته واعتبر حينها ما حصل إنجازًا مع الإشارة إلى أنه تم التخلي وقتها عن جزء من حقوق لبنان المائية والنفطية وهو اليوم يرفض التفاوض المباشر معها لأنه يسحب فتيل الحرب من يد بعض المجموعات التي صُنِّفت أنها غير قانونية من قبل مجلس الوزراء اللبناني.

 أكثر استفاضة، إن الفقرة "ب" من مقدمة الدستور تنص "أن لبنان يلتزم ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الأمر الذي يضفي شرعية على إمكانية التفاوض المباشر أو التفاوض برعاية الأمم المتحدة أو أي طرف ثالث.

أما بالنسبة إلى قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 فإن هذا القانون يمنع التعامل التجاري والمالي بين أشخاص لبنانيين طبيعيين أو معنويين ومع أي شخص طبيعي أو معنوي في إسرائيل وهو لا يمنع التفاوض الرسمي معها لكنه يحظر التطبيع الاقتصادي والنقدي حصرًا معها. وعليه إن أيّ تفاوض مباشر قد يؤدي إلى اتفاق سيحتاج بحسب الدستور إلى موافقة الحكومة وتصديق مجلس النواب إذا كان الاتفاق ذات طابع سياديّ (سلام وحدود).

مما يعني أن ممثلي الأمة ستكون لهم الكلمة الفصل لحماية حقوق الوطن أرضًا وشعبًا فلمَ الخوف والتهويل بالتصعيد وبرفض التفاوض ما دام تحت المراقبة والمحاسبة؟! ولماذا يستميت البعض للبقاء بحالة حرب وعداء مع عدوّ لا يرحم غير لإيجاد مبرر لسلاحه وحالته الشاذة عن القانون وعن الدستور ولاستمرار فرض رأيه بالقوة على باقي المجموعات في لبنان؟

يتبدّى مما سبق بيانه أن التفاوض الرسمي منوط حصرًا برئيس الجمهورية وفق آلية دستورية محددة بالمادة 52 من الدستور وهي محمية من خلال وجوب تصديقها في مجلس النواب أي أن الأخير الذي يمثل الشعب ستكون له الكلمة الفصل في قبولها من عدمه فلمَ التخوين والتهويل بحرب أهلية إذاًً؟!

يتجلّى أن زمن السكوت ولّى وزمن صفر خوف بدأت براعمه تتفتح وما كان محظورًا بهيمنة الأمر الواقع أصبح مسموحًا بحكم القانون والمواثيق الدولية. كفاها المولى حروبًا عبثيّة وإسنادية لا تعود على الشعب اللبناني غير بالفوضى والدمار وتدمير الاقتصاد ولا ناقةَ للبنان فيها ولا جمل.