من يراقب جيدًا بعض المفردات الشيعية اليوم ينتبه إلى أن هناك من يحاول التماهي مع الإيمان المسيحي عبر استعارات متعددة.
وللأسف الشديد، يقوم رجال دينٍ مسيحيون من رتبٍ مختلفة، إضافةً إلى مسيحيين غير إكليريكيين (علمانيين إن صحّ التعبير) بالمزايدة والتباهي، وبإلقاء خطابات في مناسبات دينية شيعية، متذرّعين بعنوانٍ هو "العيش المشترك"، مقحمين السماويات في الأرضيات.
بينما، في الحقيقة، يجب أن يقوم العيش في الوطن الواحد على الدستور والقانون، لا على الدين. علمًا أن رسالة يسوع ليست دينًا بالمعنى الضيق، بل مشروعًا خلاصيًا لجميع الأمم، كما أوصى تلاميذه بعد قيامته من بين الأموات:
"اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا." (مرقس 16: 15).
عودةً إلى موضوع التماهي، نلاحظ سعيًا إلى التماهي بين شخص الرب يسوع المسيح والإمام الحسين،
وبين عودة المسيح في المجيء الثاني والإمام المهدي المنتظر،
وبين مقام السيّد الخامنئي والبابا في الكنيسة الكاثوليكية، أو البطريرك في الكنائس الأرثوذكسية، أو الرئاسة الأولى في الكنيسة الأنغليكانية وغيرها من الكنائس البروتستانتية.
وبالتالي، يصبح أي حوار معهم - وطنيًا كان أم سياسيًا أم اجتماعيًا - مرتبطًا دينيًا، ويُعتبر التوسع فيه تجريحًا.
وهنا يصح قول الفيلسوف الألماني كارل ماركس في كتابه نقد فلسفة الحق عند هيغل (1844): "الدين أفيون الشعوب".
ولا بد هنا من تسليط الضوء على النقاط التالية:
- الفرق جوهري، ولا يوجد أي تشابه مع الإيمان المسيحي، لا من قريب ولا من بعيد. حاشا أن يكون هذا الكلام تجريحًا أو، لا سمح الله، إساءة، بل هو قول الحقيقة كما هي، وهو شهادة إيمانية مسيحية واجبة، مليئة بالمحبة، وهدفها الأول والأخير نقل البشارة إلى كل إنسان. وكلنا نعلم أنهم يرغبون في إهداء المسكونة إلى معتقدهم.
- لا يوجد في الإيمان المسيحي ما يُسمّى بحروب دينية. وإن حصلت في التاريخ حروب ادّعت أنها دينية، فالمسيحية بريئة منها. وخير دليل على ذلك أن رسالة يسوع تقوم على الدخول إلى قلوب الناس بالمحبة اللامحدودة، المتجسدة بشخصه، ولا توجد آية في العهد الجديد تدعو إلى حرب أو قتل، مهما كانت الأسباب.
- المسيحية ليست "دينًا ودولة" كما هو الحال عند غير المسيحيين، لأن وطن المسيحي الأول هو السماء، مع التأكيد على أن من واجب المسيحي أن يتمّم واجباته الوطنية بكل صدق وإخلاص، كما تشير الرسالة إلى ذيوغنيتس من بداية القرن الثالث الميلادي، والتي تشرح وتجيب عن سؤال: من هم المسيحيون؟
آن الأوان للعمل الجاد، ضمن استراتيجية تربوية واضحة وشفافة وبنّاءة، على إنشاء جيل جديد يكون ولاؤه لوطنه أولًا، وينشد النشيد الوطني اللبناني فقط. نزرع في نفوس أولادنا ثقافة الحياة، ولا نجعلهم حطبًا للموت، ونفتح أذهانهم على العلم والثقافة والأخلاق، وعلى قبول الآخر لا إلغائه. ونسعى لتحرير الوطن من كل ارتباط خارجي، من أي جهة أتى. فلا فرق في القانون اللبناني، ولا في أي قانون عالمي، ولا في المنطق والعلم، بين عمالة لدولة وأخرى، قريبة كانت أم بعيدة، مصنّفة عدوة أو صديقة؛ فالعمالة تبقى عمالة، ولا يوجد "واحدة بسكّر والثانية بزيت"، بحسب القول الشعبي.
ونقولها بصراحة مطلقة، دون مواربة أو محاباة أو تدوير للزوايا، ومن أجل سلامة الجميع: إذا أصرّ أي طرف في لبنان الجريح على فرض معتقداته وتحميل نتائجها للوطن بأكمله - شعبًا وأرضًا - فعندها يجب البحث جديًا عن نظام جديد يضمن العيش الكريم في ظل القانون.
إلى الرب نطلب