في 29 نيسان وهو اليوم العالمي للرقص، قرّرتُ بعد تفكير عميق استمرّ ثلاث دقائق ونصفًا، أن أرتقي بنفسي وبالذوق العام إلى مستوى جديد تمامًا. نعم سأتحوّل رسميًّا إلى راقصة شرقيّة أولى. ليس لأنني الأفضل بل لأنني ببساطة قررتُ أن أكون الأولى. التاريخ، كما نعلم، لا يكتبه المنتصرون فقط، بل يكتبه أيضًا من يملكون جرأة إعلان النصر قبل بدء المعركة. وقد أرسلتُ طلبًا غير رسميّ إلى نفسي للموافقة، وجاء الردّ بالموافقة بالإجماع، مع تحفُّظ خفيف من الرّكبة اليمنى.
البرنامج واضح، فأنا سأرقص "عَ الوحدي ونص"، وهي الطريقة التي أثبتت عبر العقود أن الإنسان يمكنه أن يعيش حياة كاملة بين "الوحدي" و "النص"، من دون الحاجة إلى شرح فلسفي إضافي. وقد بدأتُ فعلًا أتمرّن على "النص"، أمّا "الوحدي" فما زلت أبحث عنها تحت الكنبة.
أوّلًا، ينبغي أن أمتلك الجرأة. فهي أهم من الموهبة، لأن الموهبة قد تجعلني أتردّد، بينما الجرأة تدفعني إلى الصعود على المسرح حتى لو كنت أخلط بين "الهيب" و "الهوب" وبين "الدلع" و "الدُّوار". وقد أثبتت تجاربي أن الدُّوار أسرع وصولًا من الدلع.
ثانيًا، ينبغي أن أشتري مرآة كبيرة، ليس لأراقب خطواتي، بل لأقنع نفسي أنني أتحسّن. وفي حال لم أتحسّن، يمكنني دائمًا تغيير زاوية النظر وإقناع نفسي أن المشكلة في الإضاءة.
ثالثًا، ينبغي أن يكون لديّ جيران متسامحون، أو على الأقل جيران يسافرون كثيرًا. وإن لم يتوفر ذلك، سأفكِّر جديًّا في "الرقص الصامت"، وهو فن جديد يعتمد على الخيال أكثر من الحركة.
نظام بديعة مصابني
قبل أن أبدأ تماريني، شعرتُ بضرورة الرجوع إلى الجذور، وبديعة مصابني ليست مجرّد اسم؛ إنها مؤسسة كاملة. هذه السيّدة لم تكن راقصة فقط، بل كانت مديرة أعمال، مكتشفة مواهب، وصاحبة رؤية فنية سبقت عصرها. بمعنى آخر، كانت تعرف ماذا تفعل... بعكسي تمامًا.
من المؤكّد أن "كازينو بديعة" في القاهرة كان بمثابة "جامعة غير رسمية" خرّجت منها أسماء كبيرة، ليس فقط في الرقص بل في الغناء والتمثيل أيضًا. كانت بديعة صارمة في العمل، دقيقة في التفاصيل، وتطلب من الراقصات الالتزام بالتدريب اليوميّ كما لو أنهنّ في معسكر، لكن مع كحل ولمعان أكثر. ويُقال إن التأخير دقيقة واحدة كان جريمة، أما أنا فأتأخّر على نفسي، حتى وأنا في البيت.
أفكّر جديًّا بتبنّي نظامها التدريبيّ مع تعديل بسيط، وهو تقليل عدد ساعات التدريب إلى خمس دقائق، وزيادة فترات الاستراحة إلى ما لا نهاية. بذلك أكون قد حافظتُ على روح النظام وقتلت التطبيق.

مواقف تحية كاريوكا
لم تكن تحية كاريوكا مجرّد راقصة، بل كانت شخصية عامة بكل معنى الكلمة. من المعروف أنها كانت صاحبة حسّ سياسيّ واضح ومواقف جريئة، وهو أمر نادر في عالم يُفترض فيه أن الابتسامة هي اللغة الوحيدة. كانت تستطيع أن تقول "لا" بقدمها قبل لسانها. كانت تعتبر الرقص تعبيرًا لا يقلّ أهمية عن الكلام، وكانت قادرة على إيصال فكرة كاملة بحركة كتف واحدة، وهو إنجاز أسعى لتحقيقه، رغم أن كتفي حتى الآن يرسل إشارات متناقضة، أقرب إلى طلب النجدة منها إلى التعبير الفني، وأحيانًا يضيف الكتف الأيسر تعليقًا غير مطلوب.

سينما سامية جمال
أما سامية جمال فقد أدخلت الرقص الشرقي إلى السينما بشكل مختلف، وأضافت إليه لمسة عالميّة خصوصًا بعد تعاونها مع فريد الأطرش. كانت تعرف كيف تجعل الكاميرا ترقص معها، لا عليها. ومن المعروف أنها كانت من أوائل من أدخلن عناصر من الرقص الغربي إلى الرقص الشرقي، مثل استخدام المساحات الواسعة على المسرح والحركة الديناميكية.
أما أنا فأستخدمُ المساحة المتاحة بين الطاولة والأريكة، وهي مساحة تتطلّب مهارات التفادي أكثر من الرقص. يا للعشوائية غير المقصودة! إنها مدرسة فنيّة قد لا تلقى قبولًا واسعًا الآن، لكنها، وأنا واثقة، ستُدرّس يومًا ما تحت عنوان: "كيف لا تقومين بذلك". وقد أكون أول وآخر خرّيجة فيها.

دقة نادية جمال
كانت نادية جمال معروفة بدقتها العالية، حتى أن كلّ حركة لديها كانت محسوبة كأنها جزء من معادلة رياضيّة. لو شاهدَتني، لطلبَت حذف الأرقام من المعادلة بالكامل. يُقال إنها كانت تعيد التدريب على الرقصة نفسها عشرات المرات حتى تصل إلى الكمال.
أما أنا فأعيد المحاولة لأنني نسيت ما حدث في المرة السابقة. كما أنني أعدتُ الحركة نفسها مرّتين، وفي المرة الثالثة قررتُ أن الكمال مفهوم نسبيّ، وأن الفن الحقيقيّ يكمن في القبول بالخطأ، بخاصّةٍ إذا كان الخطأ كبيرًا وواضحًا. وبهذا أكون قد وصلت إلى فلسفة عميقة بلا أي مجهود يُذكر.

شمولية نجوى فؤاد
لم تكن نجوى فؤاد تقدِّم رقصة فقط، بل عرضًا متكامِلًا فيه ديكور وقصّة وموسيقى. كانت تفكِّر كمنتِجة بقدر ما تفكِّر كفنانة باختصار، كانت تبيع تجربة كاملة، لا مجرّد حركات.
في إحدى تجاربي حاولتُ تقديم عرض متكامل أيضًا، لكنني اصطدمتُ بعائق بسيط وهو عدم وجود لا مسرح، ولا ميزانية، ولا جمهور، وحتى القط الذي في البيت قرّر المغادرة عندما بدأتُ بالرقص! مع ذلك، العرض مستمرّ… في غرفة المعيشة، والتصفيق يُسجَّل لاحقًا لأغراض نفسية.

كاريزما فيفي عبده
فيفي عبده مثال واضح على أن الحضور والكاريزما يمكن أن يكونا بأهمية التقنية. هي تدخل المسرح وكأنها تعرف أنه ينتظرها منذ الصباح. تعرف كيف تسيطر عليه، وكيف تجعل الجمهور يتفاعل معها، حتى لو كانت الحركة بسيطة.
أما أنا فأحاول السيطرة على توازني أولًا، ثم أفكّر في الجمهور لاحقًا. وعلى فكرة، أنا أيضًا أملك كاريزما… لكنها تظهر فقط عندما لا يكون هناك أحد يشاهد.

ما قبل الكارثة
مع اقتراب 29 نيسان، بدأت تحضيراتي تأخذ طابعًا أكثر جديّة: انتقلتُ من التفكير إلى القلق، ووضعتُ خطّة طوارئ تتضمّن الانسحاب التكتيكي في حال فقدتُ السيطرة على الإيقاع، وهو أمر مرجَّح جدًّا. وقد تدرّبتُ على الانسحاب أكثر من الرقص نفسه. في اليوم المنتظر، سأقف، أو سأحاول الوقوف بثبات، وسأبدأ. والبداية هي دائمًا الجزء الأكثر شجاعة… أو الأكثر تهوُّرًا. قد لا تكون الحركات مثالية، ولا الإيقاع مضبوطًا، لكن هناك شيء واحد مؤكَّد: النيّة صادقة، والروح مرحة، والجيران ربّما يستعدّون للانتقام. وقد يشاركون أيضًا، بدافع الفضول أو رغبة في إيقافي عن الحركة.
إعلان غير قابل للتراجع
بناءً على ما سبق، أُعلن نفسي الراقصة الأولى ليوم واحد، قابل للتجديد في حال غياب الاعتراض. وفي حال وجوده، يُصنَّف كغيرة فنية. وإن فشلت التجربة، يكفي أن اللقب سيبقى محفوظًا في الذاكرة، حيث لا جمهور ولا نقد، فقط "الوحدي ونص"، وراحة البال من طلب الـ "!Bis! Bis".