العميد المتقاعد جوني خلف

قرار الحرب ليس للبنان… فهل يُسمح له بقرار السلام؟

5 دقائق للقراءة

خمسون عامًا من الحروب كافية لإثبات حقيقة واحدة، لبنان لم يخسر لأنه عاجز عن السلام، بل لأنه مُنع من الوصول إليه، ليس صحيحًا أن لبنان لم تُتح له فرصة السلام، بل الحقيقة الأكثر إيلامًا أننا اقتربنا مرارًا من لحظة الحسم ثمّ تراجعنا، ففي عام 1983 وُقع اتفاق 17 أيار في عهد الرئيس أمين الجميل كمحاولة جدية لإنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، وكانت الدولة يومها تسعى لاستعادة سيادتها وقرارها الوطني، لكن الاتفاق لم يسقط لأنه مستحيل بل لأنه أُسقط تحت ضغط منظومة داخلية ارتبطت بإرادات خارجية ورفضت قيام دولة لبنانية قادرة على الإمساك بقرارها، ثمّ جاء اتفاق الطائف لينهي الحرب الأهلية لكنه لم يُنهِ معضلة السيادة، فبقي لبنان ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين وبقي قرار الحرب والسلم خارج المؤسّسات الشرعية، وفي عام 2000 انسحبت إسرائيل من الجنوب وكان يمكن لهذا الحدث أن يشكّل نقطة تحوّل تاريخية نحو تثبيت الاستقرار وإطلاق مسار سياسي سيادي واضح، لكن بدل أن يُستثمر هذا الإنجاز لبناء دولة قوية وقادرة، دخل لبنان مرحلة جديدة من الاشتباك السياسي والعسكري بلغت ذروتها في حرب تموز 2006 التي كرّست معادلة قاتلة لا حرب تنتهي ولا سلام يبدأ، وأبقت البلاد معلّقة بين هدنة هشة وانفجار دائم، واليوم بعد أكثر من خمسين عامًا من النزاعات نعود إلى نقطة مفصليّة جديدة حيث إن الاجتماعات الدولية، ولا سيّما اللقاءات التي عُقدت في البيت الأبيض والتمديد الأخير لوقف إطلاق النار لأسابيع إضافية، ليست تفصيلًا تقنيًا بل مؤشرات واضحة على مسار تفاوضيّ يُرسم بهدوء وبرعاية دولية مباشرة تقوده الولايات المتحدة الأميركية، إلى جانب جهود عربية متواصلة على رأسها المملكة العربية السعودية التي أدّت دورًا محوريًا عبر تحرّكات دبلوماسية واتصالات مباشرة شملت إرسال موفدها الأمير يزيد بن فرحان إلى لبنان بهدف تقريب وجهات النظر ودعم مسار التهدئة وتسهيل الوصول إلى تفاهمات واقعية، وكلّ ذلك بهدف الوصول إلى تهدئة طويلة الأمد قد تتطوّر تدريجيًا إلى تفاهمات أوسع، ومن هنا لا بدّ من الاعتراف بأن المجتمعين الدّولي والعربيّ يدفعان اليوم باتجاه حلّ وأن هناك فرصة فعلية ربما تكون الأخيرة لإخراج لبنان من دوّامة الاستنزاف المفتوح، خصوصًا في ظلّ الانهيار المالي والاقتصادي غير المسبوق الذي يهدّد الكيان اللبناني نفسه، لكن المشكلة مرّة جديدة ليست في الخارج بل في الداخل، فالمعرقل لم يكن يومًا غياب الفرص بل وجود من يرفض استثمارها ويخشى قيام دولة فعلية، المعرقل هو كلّ من يصرّ على إبقاء قرار الحرب والسلم خارج الدولة وكلّ من يربط لبنان بمحاور إقليمية ويضع مصالح هذه المحاور فوق مصلحة اللبنانيين وكلّ من يستخدم شعارات كبرى ليبرّر واقعًا صغيرًا عنوانه دولة ضعيفة وشعب يدفع الثمن، المعرقل هو من حوّل لبنان من دولة ذات سيادة إلى ساحة مفتوحة ومن مشروع وطن إلى ورقة تفاوض في صراعات الآخرين، واليوم لم يعد بالإمكان الاستمرار بهذه الازدواجية القاتلة فلا يمكن أن نطالب بالسيادة ونقبل في الوقت نفسه بتقاسمها ولا يمكن أن نتحدّث عن دولة فيما قرارها الاستراتيجي ليس في يدها، لبنان ينهار اقتصاديًا ومؤسساتيًا وشبابه يهاجر بلا أفق فيما لا يزال البعض يتعامل مع فكرة السلام كأنها خيانة لا كفرصة إنقاذ تاريخية، والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح إن السلام ليس استسلامًا بل إذا أُحسن التفاوض عليه فهو أعلى درجات الدفاع عن المصلحة الوطنية لأنه ينقل لبنان من موقع ردّ الفعل إلى موقع الفعل ويعيد تثبيت دوره كدولة لا كساحة، والمطلوب اليوم ليس أي سلام بل سلام بشروط لبنانية واضحة يحفظ السيادة كاملة غير منقوصة، ويثبت الحدود بشكل نهائي ويعيد القرار الاستراتيجي إلى الدولة اللبنانية وحدها دون شريك أو وصاية، أمّا الحياد فلم يعد ترفًا فكريًا أو شعارًا سياسيًا بل ضرورة وجودية تحمي لبنان من أن يكون منصّة صراعات وتعيده إلى موقعه الطبيعي كدولة مستقلّة، والتاريخ واضح أمامنا فكل مرة اقتربنا من الحلّ تراجعنا بفعل حسابات ضيّقة أو رهانات خاطئة أو ارتباطات خارجية كلفت اللبنانيين أثمانًا باهظة، لكن اليوم لم يعد لدينا ترف التراجع ولا رفاهية الانتظار لأن كلفة الاستمرار في هذا المسار أصبحت أعلى بكثير من كلفة اتخاذ القرار، فإما أن نمتلك الجرأة لنختار السلام ونفرضه من موقع السيادة والمصلحة الوطنية وإما أن نستمرّ في دفع ثمن حرب لا نقرّرها ولا نملك إنهاءها، لبنان لا يحتاج إلى شعارات إضافية بل إلى قرار شجاع يعيد بناء الدولة وينهي زمن المربّعات الأمنية ويضع حدًّا لخمسة عقود من الضياع والانهيار، وهذه ليست لحظة عادية في تاريخ لبنان بل لحظة مفصلية بكل ما للكلمة من معنى، فإما أن نكتب فيها بداية الخروج من الأزمة واستعادة الدولة، وإما أن نؤكد مرة جديدة أننا نُتقن إضاعة الفرص حتى اللحظة الأخيرة، وعندها لن يكون السؤال عن السلام، بل عن سبب عجزنا الدائم عن امتلاك قرارنا.