كتبت دجنا جعجع في موقع The Beiruter المقال الآتي:
من أعرق شعوب العالم، أرسى الأرمن حضارةً متميزة في مرتفعات الأناضول منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، حضارةٌ اكتملت بكنائسها وأبجديتها التي تُعدّ من أقدم الأبجديات، وتراثها الأدبي العميق. اعتنقوا المسيحية قبل معظم شعوب أوروبا، وصمدوا عبر قرون من الاضطرابات: من الحكم الفارسي والعربي إلى الغزوات المغولية، محافظين على وجودهم بصلابة نادرة.
في ربيع عام 1915، دُبِّر مخططٌ مدروس يستهدف إبادة الشعب الأرمني بالكامل.
في يوم ذكرى الإبادة الجماعية الأرمنية، نُحيي الناجين الذين اختاروا لبنان، ولبنان الذي احتضنهم.
الإبادة الجماعية الأرمنية
ما تلا ذلك كان حملةً ممنهجة بهدف الإفناء التام، نفّذتها حكومة تركيا الفتاة في الإمبراطورية العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى، انطلاقاً من رؤية تقضي بإقامة دولة تركية إسلامية متجانسة لا مكان فيها للأرمن.
بدأت الحملة في الرابع والعشرين من أبريل 1915 باعتقال نحو مئتين وخمسين من المثقفين والزعماء الأرمن في القسطنطينية،قُتل معظمهم بُعيد اعتقاله، فيما شكل ضربة قاصمة لصميم المجتمع الأرمني. أعقب ذلك ترحيل جماعي لما يزيد على مليون ومئتي ألف أرمني في مسيرات الموت باتجاه الصحراء السورية، حيث اجتاحهم الجوعُ والعنف والموت برداً في ظروف كانت في أحيان كثيرة مدبرة ومقصودة. وتعرّضت النساء والأطفال لأفظع الانتهاكات المتكررة، وكانت النجاة من ذلك الجحيم معجزة.
بحلول نهاية تلك الحملة، كان ما بين ستمئة ألف ومليون وخمسمئة ألف أرمني قد لقوا حتفهم، وكان أكثر من تسعين بالمئة من الأرمن في شرق الأناضول قد اقتُلعوا من أرضهم.
رافاييل ليمكين، الذي صاغ مصطلح "الإبادة الجماعية" عام 1944، استلهم أفكاره من الحالة الأرمنية، التي أسهمت في تمهيد الأرضية للاتفاقية الأممية لمناهضة الإبادة الجماعية. فالأرمن لم يعانوا وحسب من واحدة من أفظع الجرائم في التاريخ، بل منحوا الإنسانية المفردات القانونية والأخلاقية التي تُسمّيها بها.
وقد عبّر عن ذلك أبلغ تعبير السفير هنري مورغنثاو، سفير الولايات المتحدة لدى الإمبراطورية العثمانية عام 1915، إذ قال: "إنني على يقين بأن التاريخ البشري بأسره لا يحوي فصلاً بالغ الفظاعة كهذا."
مدينة بُنيت على المستنقعات
أصبح الناجون من الإبادة بلا دولة ومشتتين حول العالم، وقد استقر عدد كبير منهم في لبنان، الذي أصبح موطناً لأكبر جالية أرمنية في العالم العربي. وصل أولهم إلى بيروت حوالي عام 1917 بعد رحلات طويلة من الأناضول. وضعتهم سلطات الانتداب الفرنسي في البداية في الحجر الصحي في منطقة الكرنتينا، قبل نقلهم إلى أراضٍ مستنقعية شرق المدينة، أراض لم يرغب بها أحد. بحلول أواخر عشرينيات القرن الماضي، اشتروا وطوّروا تلك المنطقة لتصبح برج حمود المعروفة اليوم، وأطلقوا على شوارعها أسماء مدنهم المفقودة مثل “نيو سيس” و“نيو مرعش”. بُنيت الكنائس والمدارس أولاً، غالباً جنباً إلى جنب، قبل المساكن، لأن البقاء كان يعني الحفاظ على الإيمان والتعليم.
تروي الذاكرة الشفهية الجماعية جهود إعادة بناء المجتمع:
كان الكهنة والناجون يجمعون ما لديهم، بعضهم قدّم المال، وبعضهم المجوهرات، ومن لا يملك شيئاً قدّم عمله.
هناك، يحمل أحد الشوارع اسم نهر أراكس، النهر الذي يمر عبر تركيا وأرمينيا وإيران، والذي يحدّ قلب الحضارة الأرمنية القديمة. معظم من يمشون في ذلك الشارع اليوم لم يروا ذلك النهر قط.
خلال جيل واحد، أصبحت برج حمود من أكثر أحياء الشرق الأوسط كثافة سكانية، مكتظة بالخياطين وصائغي الذهب وصانعي الساعات والجلود والأطباء والمهندسين. وبحلول عام 1975، عشية الحرب الأهلية اللبنانية، كان عدد الأرمن قد ارتفع من بضعة آلاف لاجئ إلى أكثر من 200 ألف شخص، ليصبحوا أكبر طائفة مسيحية في بيروت، ويمتلكون ما يُقدّر بـ25% من الودائع المصرفية في لبنان. وكانت جامعة هايكازيان، التي تأسست عام 1955، الجامعة الأرمنية الوحيدة خارج أرمينيا. وأصبحت بيروت العاصمة الفكرية والروحية الفعلية للشتات الأرمني العالمي.
ما زالوا واقفين
لا تزال تركيا لا تعترف رسمياً بالإبادة الجماعية. بالنسبة للأرمن، ليس هذا الإنكار مجرد إشكال سياسي، بل جرح ثانٍ، وطعنة في قلب الحقيقة. أما لبنان، فقد أصبح عام 1997 أول دولة عربية تعترف بالإبادة رسمياً، وجدد هذا الاعتراف عام 2000: إنها خطوة رمزية صغيرة أمام صمتٍ كبير.
يمتلك الأرمن ستة مقاعد في البرلمان اللبناني، ولهم دور سياسي يفوق حجمهم العددي. يستند هذا الحضور إلى ثلاث أحزاب رئيسية: الطاشناق، الهنشاك، والرامغافار، التي تدير شبكات واسعة من المدارس ووسائل الإعلام والمؤسسات الاجتماعية، ما يمنح المجتمع الأرمني تماسكاً داخلياً نادراً ضمن النظام الطائفي اللبناني.
خلال الحرب الأهلية، تبنّى الأرمن سياسة “الحياد الإيجابي”، فامتنعوا عن الانخراط في القتال بين الأطراف، مع تنسيق داخلي بين الأحزاب لحماية مجتمعهم ومؤسساته. وقد ساعد ذلك إلى حد كبير في الحفاظ على أحيائهم ووحدتهم.
في مرحلة ما بعد الحرب، كان للتحالفات السياسية الأرمنية تأثير ملموس على التوازنات الوطنية، واستُخدمت القوة التصويتية المنضبطة لضمان التمثيل والحماية المؤسسية، ما حوّل الأقلية الديموغرافية إلى حضور سياسي مستدام، شكّله وعي تاريخي عميق بالهشاشة.
ذاكرة تُحمل بديل الوطن
يحمل الأرمن قصتهم معهم، في اسم، في لغة، وفي عناد خاص بشعب قيل له أكثر من مرة إنه لم يعد موجوداً، فأجاب في كل مرة بتأكيد الوجود.
لا يختفي شعب إلى الصمت: ما أُنكر قد أُثبت، وما دُفن عاش، والحقيقة وحدت طريقها إلى الضوء.
قد يتأخر العدل، لكنه يأتي، وقد تنازع الحقيقة لكنها تعيش.