الدكتور سايد حرقص

لبنان بين شرعية السلاح وسلاح الشرعية؟

5 دقائق للقراءة

أربعون عاماً ونيف مرّت على "حزب الله" منذ نشأته، تبدّلت خلالها موازين قوى دولية، وسقطت أنظمة، لكن "البذور الفكرية" التي نشرها السيد حسن نصرالله، بتوجيهات من السيد خامنئي الذي كان رئيساً لإيران آنذاك، والتي عارضها بشدة الإمام محمد مهدي شمس الدين، كما يوضح المفكر سعود المولى في مقابلاته التلفزيونية عن حقبة الثمانينيات، تبدو اليوم متجسدة في تصرفات بيئة حزب الله الاجتماعية والسياسية. إن إعادة قراءة "كلام السيد نصرالله" تتيح للباحثين عن الحقيقة تلمّس معالم "العقيدة الخمينية"، القائمة على المبايعة المطلقة لوليّ الفقيه، وعدم الاعتراف بلبنان كدولة، إضافة إلى تخوين المسيحيين واعتبارهم "غزاة". ألم يقل السيد حسن نصرالله في خطاب عام 1985: «مناطق جبيل وكسروان هي مناطق للمسلمين وقد أتاها المسيحيون غزاة»؟ علماً أن السيد نصرالله لم يتوانَ عن التعامل مع أحفاد من وصفهم بالغزاة، شرط أن يكونوا «ذميين» ويعملوا على تطوير مشروعه لقاء أجر، سواء كان مادياً أم سلطوياً. وتجربة الرئيسين إميل لحود وميشال عون خير دليل.

إن مراجعة دقيقة لخطب نصرالله في زمن بذر "الحبوب الفكرية" في ثمانينيات القرن الماضي تدفع الباحث عن الحقيقة إلى اكتشاف أن ما يراه بعض المحللين اليوم تحولاً سياسياً خطيراً، ليس إلا حقيقة مرة تخفي خلفها أيديولوجيا دينية ترفض الآخر، وتطمح إلى جعل لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة فحسب، بل جزءاً من "الجمهورية الإسلامية الكبرى" التي يرعاها "صاحب الزمان".

في الوقت الذي يتحدث فيه الحزب اليوم عن "حماية الجنوب"، يرى اللبنانيون أنه ساهم في تدميره، تارةً تحت عنوان إسناد غزة، وتارةً أخرى في سياق صراعات إقليمية مرتبطة بإيران. لفهم هذه المعضلة ننبش في أرشيفه، لنجد جذوراً تنفي الإيمان بخصوصية هذا الوطن ككيان نهائي. ففي أيلول 1986، صرّح السيد نصرالله لصحيفة "النهار": "لا نؤمن بوطن اسمه لبنان، بل بالوطن الإسلامي الكبير". هذا الموقف يفسّر، سبب فتح الجبهات، حيث تتقدم المصلحة "الأممية" لإيران، بوصفها قلب المشروع الخميني، على حدود "لبنان". وما قاله نصرالله في تموز 1987: "إن لبنان وهذه المنطقة هي للإسلام والمسلمين"، يتجسد اليوم، في بيئة تتهم كل من يعارضها بالخيانة وتصل أحياناً إلى تبرير العنف.

من هنا يتمسّك "حزب الله" بسلاحه كجزء من كيانه الوجودي، معتبراً إياه "خطاً أحمر". ويُعزى هذا التمسك إلى رؤية تعتبر السلاح "نوعاً من العبادة" ووسيلة للارتقاء الروحي. إذ يقول السيد نصرالله في أيار 1989: "قتال إسرائيل ليس هدفاً بل وسيلة للوصول إلى الله… وعلينا أن نبني الجيش العظيم الذي دعا إليه الإمام الخميني".

هنا تكمن العقدة؛ فالحزب الذي دعا، في حزيران 1989، إلى "إقامة الحكومة الإسلامية في أي بلد نعيش فيه" كـ"تكليف شرعي"، لا يمكنه منطقياً أن يسلّم سلاحه لدولة يراها "دنيوية" أو "ناقصة". لذلك، لا تنظر بيئته اليوم إلى الجيش اللبناني كحامٍ، بل كشريك مؤقت، ما دام لا يمسّ "السلاح المقدّس".

لقد نجح السيد نصرالله ورفاق دربه، في تحويل بيئته إلى ما يشبه "شعب الولي الفقيه"، يتقبل الموت والدمار بمنطق غيبي بعيد عن مفهوم الدولة الحديثة. وهذا التجييش، الذي يظهر في "حروب الإسناد" وتداعياتها، تعود جذوره إلى ثقافة "الشهادة" التي كرّسها منذ عقود. ففي صحيفة "السفير" (تموز 1991) قال: "نحن قوم ينمو ويكبر بالدمار، ودماؤنا نقدمها قرباناً… نحن قوم يؤمن بأن هذه الدنيا فانية ومحدودة". لذلك، عندما نرى أمهات الشهداء اليوم يتحدثن عن "الفخر والرضا"، يمكن فهم هذا السلوك بوصفه نتيجة عقود من ترسيخ هذه العقيدة. ويؤكد ذلك قوله في آب 1988: "الإنسان الذي يعيش علاقة حب مع الله يصبح جاهزاً في أي وقت لتقديم نفسه وماله وولده في سبيله".

من ناحية أخرى، وعلى الرغم من حديث "حزب الله" عن "حكومة الوحدة الوطنية"، فإن تاريخه مع الشركاء في الوطن مثقل بالشكوك، وقد تحوّل، في نظرهم، إلى نوع من "الهيمنة السياسية". فالحزب الذي اعتبر الحوار في تموز 1987 "مضيعة وقت"، عاد إليه بعد آب 2006، ليس إيماناً بالشراكة والحوار، بل لإدارة توازنات القوة التي تحمي مشروعه داخل لبنان.

إن المقارنة بين «خطابات التأسيس» وسلوك «بيئة الإسناد» اليوم تُظهر أن الحزب لم يتغيّر. فالبذور التي زُرعت في الثمانينيات أثمرت واقعاً سياسياً مختلفاً عن فكرة الدولة اللبنانية التي دعا إليها أئمة الشيعة، ولا سيما الإمامان موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين.

علماً أن السيد نصرالله اتّبع أسلوباً براغماتياً من دون التخلّي عن الثوابت والأهداف الأساسية؛ فقد قال في تشرين الأول 1989 إن «البديل من الطائف هو المقاومة»، لكنه عاد واستفاد لاحقاً من اتفاق الطائف كإطار قانوني حين اقتضت المصلحة.

يبقى السؤال الذي يطرحه كثير من اللبنانيين: هل يمكن لهذه البذور المرتبطة بمشروع "ولاية الفقيه" أن تثمر يوماً دولة لبنانية موحّدة؟ الإجابة، كما يعكسها هذا الطرح، تكمن في قول نصرالله عام 1987: "الله يطلب أن نقاتل". وطالما أن "القتال" يُقدَّم بوصفه تكليفاً، و"السلاح" بوصفه مقدساً، فإن مشروع "بناء الدولة" سيبقى، في نظر هؤلاء، بعيداً عن حلم اللبنانيين بوطن نهائي ومستقر ويبقى لبنان ضائعا بين شرعية السلاح وسلاح الشرعية