يتطارح اللبنانيون ما لم يكن قط حتى الأمس القريب: الصلح مع إسرائيل.
لنعد إلى البدايات.
كيانات اليوم في الشرق الأوسط هي ثمرة التقاء مصالح اللحظة لذوي القرار الدولي، أوجدوها لمصالح آنية لهم دون كبير تبصّر في العواقب المستقبلية. ما حال بين العيوب البنيوية والانفجار الحتميّ كان القمع والعنف اللذين أتقنهما حكامها.
كان للبنان مسرى آخر. عرف لبنان الكبير عقدين من شبه الاستقرار لينتهي منذ نصف قرن ونيّف إلى جذب كلّ خلافات الجوار إلى داخل أراضيه، فكان دمار بنيانه وسفك دماء بنيه وتهجيرهم وهجرتهم.
عرفت فترة ما بين الحربين العالميتين قيام كيانات الشرق الأوسط الحالية، ليستكمل المشهد في العام 1948 بقيام دولة إسرائيل.
ابتدأت علاقة اللبنانيين بالحركة اليهوديّة تجارية من قبل أثرياء المسيحيين والمسلمين السنّة ببيع أراضٍ لهم في فلسطين. لكن لاح في الثلاثينات لبعض المسيحيين اللبنانيين أن وجود كيان يهوديّ إلى جوارهم يوسّع خياراتهم السياسية. في طليعة هؤلاء نقف على إميل إده عميد حزب الكتلة الوطنية، وأيضًا البطريرك عريضة والمطران مبارك.
لم يكن ذاك بالتيار الأوسع بين المسيحيين. معظم قياداتهم نحت لبناء وطن متعدّد الطوائف تجمع بينها إرادة عيش مشترك قوامها الحريّة والعدل والمساواة. لم يكن هذا الخيار على العبثية التي يبدو عليها حاليًا. كان العرب آنذاك تحت تأثير قيم الديمقراطية الغربية كحرية الصحافة، الانتخابات النيابية، استقلال القضاء وحكم القانون. لكن حرب فلسطين وقيام دولة إسرائيل بدّلا المشهد تبديلا جذريًا إذ بعدها بأشهر، فتح الباب على مصراعيه للانقلابات العسكرية في سوريا ومصر بعدها، ثم معظم الدول العربية. انتقلت السلطة بعد الحكم العسكري المباشر إلى ما هو أشدّ قمعًا: الأيديولوجيات العسكرية. أمّا مسك الختام فكان الحركات الأصولية من إخوان مسلمين لدى السنة، وولاية فقيه عند الشيعة تتبنى رؤيا نهاية الأزمنة ورجوع الإمام الغائب وتحضّر له بسلاح نووي.
بالعودة إلى علاقة مسيحيي لبنان بيهود إسرائيل، ما ابتدأ بإميل إده لم يستمرّ طويلا. حتى ريمون إده الذي مثل أباه في بعض اللقاءات، بدّل موقفه فيما بعد، لا بل ساند المقاومة الفلسطينية. التيار الكاسح بين المسيحيين استمرّ على عدائه لإسرائيل حتى اندلاع الحرب الداخلية عام 1975 وحصار المنطقة المسيحية. كان الاتصال الأول بتكليف الكتائب جوزف أبو خليل زيارة إسرائيل عن طريق البحر وطلب المساعدة. استجاب الإسرائيليون ومدّوا المقاومة المسيحية بالعتاد ثم دخلت قواتهم لبنان وانتهى الأمر بإجلاء منظمة التحرير الفلسطينية، لا بل أكثر، تمّ انتخاب بشير الجميّل في أيلول 1982 رئيسًا للجمهورية. وكان بعدها ما لم يكن في حسبان أحد. تراجع بشير الجميّل عن التزاماته بتأثير والده، وبعد اغتياله انتخب أخوه أمين رئيسًا للجمهورية الذي استمرّ، لا بل أوغل، في ذاك المسار حتى أن أبو خليل صرّح "أن الاتصال بإسرائيل لم يكن خطأ بل خطيئة".
كم تبدلت الأيام. التصريح بتوقيع سلم مع إسرائيل لم يعد مقتصرًا على قلّة ضئيلة من السياسيين والمفكرين المسيحيين. برامج التلفزيون والجرائد تزدحم بالمنادين بالسلام من مختلف الطوائف والخيارات السياسية.
لكن الحجة الأقوى لإثباث ضرورة السلم مع إسرائيل تقوم على معطى وجوديّ ملزم. ما من دولة إلا وتجد مصلحة في التعامل مع دولة على مستوى إسرائيل لجهة ما طوّرت من تقنيات في حقول مختلفة ومتعدّدة. لكن للبنان مصلحة تفوق تلك بأضعاف. لبنان بلد صغير الحجم محدود الموارد. أهم ميزاته أنه صلة وصل بين الغرب والشرق الأوسط، مستواه الثقافي وجامعاته سهّلت له الاتصال ما جعله في طليعة من يؤمّن للمنطقة حاجاتها عبر موقعه الجغرافي وميناء عاصمته. لكن للبنان موضع ضعف. اتصاله بالمنطقة، وهو قوام بقائه، يتمّ عبر حدّين بريّين. عداؤه مع إسرائيل أدّى إلى إقفال أحد الحدّين ما جعله رهينة الحدّ المفتوح وهو ما أدركته سوريا واستعانت به للضغط على حكام لبنان منذ نهاية الأربعينات تحت وزارة خالد العظم. حتى الأسد أقفل حدوده معنا مرات عدة ولم يوقف الإقفال إلا بعدما أخضع لبنان كليًا لإرادته.
لنا من هذه الشواهد أن نستخلص أن لا استقلال للبنان ما لم تفتح كل حدوده، السورية والإسرائيلية، وإلا كان استقلاله رهن الحدّ المفتوح. لا علاقة لهذا المسلّم لا بإسرائيل ولا بغيرها. هي نظرية تصحّ عبر كل زمن. تصح لو ولي ياسر عرفات حكم فلسطين، كما تصح طوال ولاية أحمد باشا الجزار لعكا، وباشوات آل العظم لدمشق، لكنها لم تكن قط أصح منها اليوم.
لو شاء الرحمن رجل دولة لحكم لبنان لكان أول من يوقع السلام مع إسرائيل وليس "آخر العرب".