إستال خليل

فادي جنبرت: اللغة العربية قادرة على احتضان فن الأوبرا

6 دقائق للقراءة

بينما تتزايد محاولات إنتاج أعمال أوبرالية ذات طابع عربيّ ضمن سعي متنامٍ لإعادة صياغة هذا الفن في سياق محليّ يتجاوز كونه "مستوردًا" من الغرب، تبرز أسماء لبنانيّة في هذا المجال من بينها الباريتون والمغني الأوبراليّ فادي جنبرت كأحد المشاركين في هذا المسار. تجربة جنبرت تمتدّ بين أوروبا والعالم العربي، وتجمع بين التكوين الأكاديميّ في مدارس غربية والانخراط في مشاريع فنية تسعى إلى مواءمة المرجعية الأوبرالية الكلاسيكية مع عناصر من الهوية الثقافية العربية، سواء على مستوى اللغة أو الموضوع أو البنية الموسيقية.

نشأة فادي جنبرت بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في عائلة تعشق الموسيقى وخصوصًا الكلاسيكيّة، شكّلت الأساس الأول لمسيرته الفنية، موضحًا أن "هذه البيئة كانت على صلة وثيقة بـ "الكونسرفاتوار الوطني اللّبناني"، والموسيقى الكلاسيكية كانت جزءًا من حياتنا اليومية منذ الطفولة". أما اللحظة  المفصليّة في مسيرة جنبرت فكانت في سن الثالثة عشرة، بحسب ما يروي لـ "نداء الوطن"، حين أهداه عمّه قرصًا مدمجًا لمغنية الأوبرا الأسترالية جوان ساذرلاند. "صوتها كان صادمًا وجميلا في آن، ومنذ تلك اللّحظة بدأ الشغف الحقيقي بالأوبرا"، يقول جنبرت الذي يرى أن هذا الاكتشاف فتح أمامه أفقًا جديدًا لم يكن يتوقعه.

ويتابع: "بدأتُ دراستي الجامعية في اختصاص الاقتصاد في "الجامعة اليسوعية"، قبل أن أتخذ قرارًا حاسمًا بترك هذا المسار والتوجّه إلى فرنسا، حيث التحقتُ بـ "الكونسرفاتوار" هناك، وبدأتُ دراساتي الموسيقية. كان هذا القرار انتقالا كاملا نحو الفن، حيث بدأتُ بناء حياتي المهنية من خلال الدراسة والعمل في المجال الموسيقي".


كارمن وعنتر وعبلة

مشاركة المغني فادي جنبرت في أوبرا "كارمن" ضمن "مهرجانات بعلبك" صيف سنة 2025، شكّلت محطة استثنائية في مسيرته، إذ يقول: "هذه التجربة كانت فرصة العمر وعملا تاريخيًّا بالنسبة للبنان. فمستوى الإنتاج كان عالميًّا، في ظل مشاركة موسيقيّين ومغنين لبنانيّين وأجانب ضمن مستوى احترافي موحّد، وعمل متكامل من حيث التنظيم والمستوى الفني، ما جعل الأمر تجربة لا تُنسى".

أما أوبرا "عنتر وعبلة" التي عُرضت في أبو ظبي، وأدّى فيها دَور "شدّاد" والد عنتر، الشخصية التي تعيش صراعًا داخليًا وترفض الاعتراف بابنها، فيرى جنبرت أنّ "الشخصيّة حملت أبعادًا إنسانية عميقة تتجاوز السّرد التقليديّ، والأمسية كانت تجربة مختلفة فنيًّا وثقافيًّا، شكّلت محاولة جدّية لخلق حوار بين الموسيقى الغربيّة والهوية العربيّة، إذ إن الموسيقى الكلاسيكية قد تكون مستوردة، لكن إعادة إنتاجها ضمن سياقنا الثقافي مسؤولية لا بدّ منها. وهذا النوع من المشاريع، إذا لم يقم به الفنانون العرب، فلن يتحقق".


أوبرا بالعربي

لكن ماذا عن الجدل القائم حول إمكانية أداء الأوبرا باللّغة العربية؟ يلفت فادي جنبرت إلى أن "بعض الموسيقيين العرب يرون صعوبة في ذلك، لكن التجربة أثبتت أن اللغة العربية قادرة على احتضان هذا الفن"، مشيدًا بالموسيقى التي وضعها نديم طربيه في "عنتر وعبلة"، وبمشاركة "جوقة الجامعة الأنطونية" بإشراف الأب توفيق معتوق، الذي يراه جنبرت "مرجعًا أساسيًّا في مجال الغناء الأوبرالي في لبنان، والعمل معه يعزز المستوى المهني ويضيف قيمة فنية واضحة".

ويشدّد الباريتون فادي جنبرت على أن ما نشهده اليوم من تجارب فنية في هذا المجال "هو جزء من مسار أوسع لخلق حضور عربي في المشهد الأوبرالي العالمي"، متابعًا أن "ثمّة سعيًا جدِّيًا لإثبات القدرة على إنتاج أعمال بمستوى عالمي، مع الحفاظ على الخصوصيّة الثقافية"، ومشيرًا إلى أن "هذه المحاولات تمتد تاريخيًّا إلى تجارب سابقة، من بينها أعمال وديع صبرا، الذي كان من أوائل من قدّموا الأوبرا باللغة العربية".

جنبرت يرى أن "التعدّد الثقافي واللّغوي يشكّل سمة أساسية في المجتمع اللّبناني، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات على مستوى تعريف الهوية، وهذا التنوّع يمكن أن يكون مصدر غنى إذا جرى التعامل معه بشكل إيجابي. والانفتاح على لغات مختلفة يشكّل جزءًا من تكوين المغني الأوبرالي، فأنا مثلًا غنيتُ بلغات متعددة وصعبة، من بينها الهنغارية والبولونية وغيرها". 

أما حول تقنيّات الغناء، فيوضح جنبرت أن "الأوبرا تقوم على أسس علميّة دقيقة، وهذا الفن يتطلّب فهمًا عميقًا للصوت وتقنياته التي نشأت في الغرب، وتحديدًا في إيطاليا، حيث تطوّر علم الصوت وأساليب تدريبه". ويضيف: "الأوبرا نشأت في زمن لم تكن فيه وسائل تضخيم صوتيّ، ما فرض تطوير تقنيات تمكّن الصوت من الوصول بوضوح فوق الأوركسترا. فالصوت في الغناء الأوبرالي يُعامل كآلة موسيقية ينبغي الحفاظ عليها، وبعض التعديلات في مخارج الحروف تأتي في إطار تقني يهدف إلى حماية الصوت وضمان جودته. والتقنية هي التي تتيح ترجمة الإحساس، إذ لا يمكن التعبير من دون أداة سليمة".


تبسيط للجذب

نسأل جنبرت عن الأسلوب الأمثل الواجب اتباعه لجذب الجمهور من جهة والأجيال الشابة من جهة ثانية إلى هذا الفن، فيجيب مؤكدًا "ضرورة التواضع وتبسيط الأوبرا وتقريبها من الجمهور. هذا الفن في بداياته كان موجّهًا إلى عامة الشعب، وليس حكرًا على النخبة. من هنا ينبغي الحفاظ على تاريخه مع إعادة تقديمه بأساليب معاصرة". ويختم بالإشارة إلى اهتمامه المتزايد بالبحث الموسيقي، وأنه خلال جائحة كورونا انكبّ على دراسة أرشيف وديع صبرا، ما أتاح له التعمّق في تاريخ الأوبرا في لبنان. وهنا يؤكّد أن "هناك ثروة أرشيفية كبيرة غير مكتشفة بعد، وسأواصل العمل على هذا الجانب تزامنًا مع متابعة مسيرتي الفنية، ومع حرصي الدائم على الاستفادة من آراء المختصين والمحيطين بي".

تجربة فادي جنبرت تعكس مسارًا فنيًا يقوم على التوفيق بين التكوين الأوبرالي الكلاسيكي ومحاولات إعادة تقديمه ضمن سياق عربي معاصر، في ظلّ نقاش مستمر حول الهوية ودور الفنون في التعبير عنها. وبين الأداء والبحث، يندرج عمله ضمن جهود أوسع يسعى من خلالها فنانون عرب مثله إلى تثبيت حضورهم في هذا المجال، وتوسيع حدود هذا النوع الغنائي بما يتجاوز إطاره التقليدي. فهل يمكن لهذه المحاولات أن تؤسس فعلًا لأوبرا عربية بملامحها الخاصة، أم ستظلّ في حالة تفاوض دائم مع مرجعياتها الغربية؟