بطرس الخوري

هدنة بين حربين: حين تتحول المواجهة بين إسرائيل و"حزب الله" إلى مصلحة مشتركة

4 دقائق للقراءة

في الشرق الأوسط، لا تُدار الحروب دائمًا بهدف الانتصار، بل أحيانًا بهدف تأجيله. هذا ما يفسّر المشهد القائم اليوم على الحدود بين إسرائيل و"حزب الله"، حيث لا حرب شاملة ولا سلام فعلي، بل حالة هجينة يمكن وصفها بـ“هدنة بين حربين”. الأخطر في هذه المعادلة ليس التوتر بحد ذاته، بل احتمال أن يكون هذا التوتر مفيدًا للطرفين، ولو مرحليًا.

نتنياهو: الحرب كأداة بقاء

بالنسبة إلى بنيامين نتنياهو، لم يعد الأمن مجرد ملف من ملفات الحكم، بل تحوّل إلى شرط وجود سياسي. في ظل محاكماته والضغط الداخلي، ومع بروز معارضة تحاول إعادة تنظيم صفوفها،خاصة بعد اعلان يائير لابيد ونفتالي بينيت، ابرز قادة المعارضة الاسرائيلية، عن اندماج حزبيهما في تحالف انتخابي، للاطاحة بحكومة بينيامين نتنياهو،لذلك يصبح التوتر الأمني وسيلة لإعادة تعريف الأولويات داخل المجتمع الإسرائيلي: فنتنياهولا يحتاج الى حرب كبرى، بقدر ما يحتاج الى حافة حرب وتوتر دائم يبرر بقاءه، والاستفادة من تهديد مستمر يعيد شدّ العصب الداخلي ويهمّش أي نقاش آخر، بما فيه مستقبله السياسي والقضائي.

لكن المفارقة أن هذه الاستراتيجية نفسها تفرض عليه سقفًا: حرب شاملة مع "حزب الله" قد تكون كارثية وغير مضمونة النتائج، ما يجعل “إدارة النار” أكثر فائدة من إشعالها.

"حزب الله": من فائض القوة إلى إدارة المأزق

في الجهة المقابلة، لم يعد "حزب الله" في موقع الهجوم المفتوح، بل في موقع إدارة المأزق. فالحزب الذي راكم قوته على مدى سنوات، يجد نفسه اليوم أمام بيئة داخلية مثقلة بالخسائر، وأسئلة متزايدة حول جدوى المواجهة، وكلفتها، اسئلة لا يملك امكانيات للاجابة عليها، لذلك يعتمد استراتيجية يمكن تلخيصها برباعية دقيقة:

تصعيد محسوب يحافظ على صورته كقوة مقاومة

تجنّب الانفجار الكبير الذي قد يهدد بيئته قبل خصومه

الرهان على الوقت بانتظار ما ستؤول إليه التوازنات الإقليمية

وهنا يبرز دور إيران، التي لا تدير الصراع من منطلق أيديولوجي فقط، بل من حسابات تفاوضية أيضًا. فالإبقاء على الجبهة اللبنانية “مشغولة دون انفجار” يمنح طهران ورقة ضغط دون أن يفرض عليها كلفة الحرب الشاملة.

الستاتيكو السلبي: توازن هش على حافة الانفجار

ما ينتج عن هذا التقاطع هو ما يمكن تسميته بـالستاتيكو السلبي، لا انتصار، لا هزيمة، ولا حتى افق سياسي، بل مجرد ادارة دقيقة للعنف وقواعد اشتباك غير مكتوبة.

غير أن هذا “التوازن” ليس استقرارًا، بل تجميد للصراع في أكثر مراحله خطورة. فكل يوم يمرّ ضمن هذه المعادلة يزيد احتمال الخطأ، وكل خطأ قد يتحول إلى شرارة حرب شاملة لا يريدها أحد… لكنها قد تندلع رغمًا عن الجميع.

القول إن الطرفين مستفيدان من هذا الوضع صحيح جزئيًا. فهذه “المصلحة المشتركة” ليست خيارًا استراتيجيًا، بل اضطرار متبادل،إسرائيل غير جاهزة لحسم مكلف،و"حزب الله" غير قادر على تحمّل تبعات حرب شاملة.بمعنى آخر، ما يجمعهما ليس الاتفاق، بل العجز المتبادل عن الحسم.

لبنان: الغائب الحاضر في المعادلة

في قلب هذه المعادلة، يقف لبنان كأكبر الخاسرين. فالدولة تحاول عبر رئيسها، وحكومتها، الخروج من هذه المعادلة الصفرية، نحو مسارٍ سياسي تفاوضي، ينقذ البلاد من كونها ساحةً مفتوحةً لتصفية الحسابات دون القدرة على التأثير في مسارها. من هنا الهجوم الغير عقلاني من الحزب ومن ينتسب اليه على الرئاسة والحكومة، التي ان نجحت في مسارها التفواضي، تكون قضت على كل امال الحزب في الحفاظ على هيمنته وسطوته الداخلية.

يخرج كل طرف، كل يوم منذ اعلان وقف اطلاق النار الاخير، ليعلن أنه حقق إنجازًا

بنيامين نتنياهو ينجو سياسيًا

و"حزب الله" يحافظ على موقعه

لكن الحقيقة الأعمق أن هذا ليس نصرًا لأي منهما، بل تأجيل للهزيمة.

فإذا اعتبر "حزب الله" أن ما جرى هو انتصار، فهو انتصار مثقل بالخسائر

وإذا اعتبر نتنياهو أنه نجح في إدارة الأزمة، فهو نجاح قائم على حافة انهيار دائم

في النهاية، ما نشهده ليس توازنًا مستقرًا، بل هدنة طويلة بين حربين…

وحين تنتهي هذه الهدنة، قد يكتشف الجميع أن ما ظنوه إدارة ذكية للصراع، لم يكن سوى طريقٍ أطول نحو انفجار أكبر.