المحامي رفيق اورى غريزي

لبنان بين "جنّة" الفدرالية و جهنم التقسيم: هل تُنقذنا تجربة الألب أم تقتلنا "غيتوهات" الطوائف؟

6 دقائق للقراءة

في لحظات الانهيار الكبير، حين تغدو الدولة "جثة" هامدة تتصارع فوقها الغربان، يطلُّ سؤال الفدرالية برأسه من جديد، لا كبحثٍ أكاديمي بارد، بل كخيار وجودي يضجُّ بالخوف والأمل معاً. هل قَدَرُ اللبنانيين أن يظلوا مشاريع قتلى في "حلبة" مركزية فاشلة، أم أن "الطلاق الحضاري" تحت سقف الفدرالية هو الدواء المرّ لجرحٍ لا يندمل؟ لعلّنا، قبل الغرق في زواريب "الكانتونات" النفسية، نحتاج لتشخيص البصر نحو جبال "الألب" السويسرية، أو وراء المحيطات، لنفهم كيف تروّض الشعوب وحوش الهوية بِلجام القانون.

فلنأخذ كل من سويسرا والولايات المتحدة الأميركية مثالا، في كلاهما مخاض الدم هو الذي كان المحرك والذي ولد نظاماً. لم يكن النظام الفدرالي في سويسرا أو أمريكا "هبة" سماوية، بل كان ثمرة حروب طاحنة وخيبات مريرة. سويسرا، التي نغبطها اليوم على سلامها، كانت عام 1847 ساحة لحرب "سوندربوند" الأهلية. كانت مواجهةً قاسية بين كانتونات كاثوليكية محافظة تخشى على "خصوصيتها"، وقوى ليبرالية بروتستانتية تنشد الدولة الحديثة. لم يسحق المنتصرُ المهزومَ، بل أدرك الجميع أن "الكونفدرالية" (تحالف الدول المستقلة) هي مشروع فوضى دائم، وأن الدولة "المركزية الساحقة" هي مشروع دكتاتورية. فكان دستور 1848 هو العقد الاجتماعي العبقري: فدرالية تمنح الكانتونات سيادة كاملة في التعليم، الشرطة، والقضاء المحلي، وتترك للمركز الدفاع والسياسة الخارجية والعملة. لقد نجحت سويسرا لأنها حوّلت "الكانتون" من خندق طائفي إلى وحدة إدارية تتنافس في الازدهار، حيث أدركوا أن "إرادة العيش المشترك" تتطلب احترام "حق الاختلاف".

أما التجربة الأمريكية، فقد بدأت بهروب من عجز "مواد الكونفدرالية" التي جعلت الولايات الـ13 تعمل كجزر معزولة بلا جيش موحد أو اقتصاد متماسك. جاء دستور 1787 ليصيغ التوازن بين "سيادة الولايات" و"هيبة الاتحاد". وما الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) إلا الاختبار الوجودي لهذا النظام؛ لم تكن حرباً "مذهبية"، بل كانت صراعاً اقتصادياً وقيمياً حول العبودية وحق الانفصال. حسمت الحرب تفوق "الاتحاد" للأبد، لكنها أبقت للولايات خصوصيتها، مما جعل التنوع سرّ القوة لا سبب التفكك.

ماذا عن لبنان، هل وقعنا في الفخ اللبناني؟ هل نسعى الى فدرالية جغرافية أم الى "غيتوهات" مذهبية؟

حين ننقل العدسة إلى لبنان، نصطدم بالحقيقة المرة. الفدرالية في سويسرا وأمريكا هي تقسيم "جغرافي إداري"، أما في لبنان فتُطرح غالباً كتقسيم "طائفي ديموغرافي". وهنا مكمن الخطر؛ فالطوائف اللبنانية ليست موزعة في مربعات جغرافية صافية، بل هي متداخلة في الحي والشارع. إن أي محاولة لرسم حدود "صافية" ستعني حكماً عمليات "ترانسفير" ديموغرافي وتهجيراً جديداً، يحوّل الحدود الإدارية إلى خطوط تماس دائمة.

إن المطالبين بالفدرالية اليوم هم ضحايا الشعور بالتهميش؛ يريدون لضرائبهم أن تذهب لإنماء مناطقهم بدلاً من تبديدها في مركزية فاسدة. لكن الخوف المشروع هو أن تتحول هذه "الكانتونات" إلى محميات تابعة للقوى الإقليمية، بحيث يصبح "كانتون" يتبع طهران وآخر الرياض وثالث باريس، فنكون قد استبدلنا احتلالاً مركزياً واحداً بمجموعة احتلالات مناطقية مقنعة.

وبالتالي ان المنادين بالفدرالية يغضون النظر عن العوائق الجغرافية والاقتصادية، فهل تستطيع الكانتونات العيش في بيئة معقدة مثل لبنان؟

تاريخياً، قيل إن لبنان "أكبر من أن يبلع وأصغر من أن يُقسم". جغرافياً، تفتقر أغلب المناطق اللبنانية للاكتفاء الذاتي؛ فالمناطق الجبلية تحتاج للساحل، والزراعة في البقاع تحتاج لموانئ بيروت وطرابلس. اقتصادياً، سيؤدي تفتيت السوق اللبنانية إلى إضعاف القدرة التنافسية. هل تستطيع منطقة كالشمال أو البقاع العيش بمفردها؟ نظرياً، يمتلك الشمال مرافئ ومساحات زراعية ومطاراً (القليعات)، لكنه يفتقر للرساميل المتمركزة في جبل لبنان وبيروت. أما البقاع فيمتلك السلة الغذائية لكنه يحتاج لمنافذ التصدير. الفدرالية في بلد صغير كمساحة "ضاحية" في مدينة كبرى، قد تبدو تقسيماً للفقر لا توزيعاً للثروة.

ومن ناحية أخرى، تتصدر معضلة السلاح والسيادة، والقرار المركزي. فهل أن الفدرالية تعني أن لكل كانتون قراره المستقل في الحرب والسلم، أم يجب أن تكون للحكومة المركزية؟ بطبيعة الحال، ليس هنالك من نظام فدرالي يعطي السلطات غير المركزية قرار الحرب والسلم. وبالتالي، فان التقسيم لن يحل مسألة السلاح وحزب الله.

وعليه، لا يمكن الحديث عن فدرالية في ظل وجود "سلاح خارج إطار الدولة". في الأنظمة الفدرالية الناجحة، يمتلك المركز حصراً حق "العنف الشرعي" (الجيش والسياسة الخارجية). في لبنان، أي فدرالية بوجود سلاح حزب الله ستعني شرعنة لـ"دويلة" داخل الدولة، مما سيدفع الكانتونات الأخرى للبحث عن سلاح موازٍ لحماية نفسها، فنتحول من نظام سياسي إلى "أمراء حرب" ببدلات رسمية.

وأمام هذا الواقع، هل أن اللامركزية الإدارية الموسعة هي البديل الممكن؟

إذا كانت الفدرالية الطائفية "انتحاراً"، فإن المركزية الحالية "موت بطيء". المخرج الواقعي يكمن في "اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة" (كما نص اتفاق الطائف). هذا النموذج يمنح الأقضية أو المحافظات استقلالية في الجباية والإنفاق عبر تخصيص نسبة كبيرة من الضرائب في المنطقة لتمويل مشاريعها (طرق، مستشفيات، كهرباء). ويمنح الإدارة المحلية حق انتخاب مجالس قضاء تدير شؤون الناس بعيداً عن روتين بيروت القاتل.

ومن ناحية أخرى، فان اللامركزية الادارية الموسعة هي المحرك الأساسي للتنافس الإنمائي، كأن تتنافس جبيل مع صور، وزحلة مع طرابلس في جذب الاستثمارات. هذا الحل يحفظ "وحدة الدولة" سيادياً، ويمنح "الخصوصية" تنموياً، دون الحاجة لترسيم حدود طائفية دمويّة.

بالمجمل لقد حذر كبار السياسيين من مغبة الانزلاق غير المحسوب. فعلى سبيل المثال كان يرى المعلم كمال جنبلاط في الانكفاء الطائفي انتحاراً، داعياً لـ "علمانية" تلغي القيد الطائفي. وفيما عميد الصحفيين الراحل غسان تويني حذّر من أن لبنان "دولة بلا مواطنين"، وأن تغيير الأنظمة بلا تغيير العقول هو مجرد تبديل لزنازين السجن.

ومن ناحية أخرى أكد ألبير منصور أن المشكلة هي الانقلاب على "الطائف" الذي لم يُطبق منه بند اللامركزية. فيما رأى جورج نقاش أن الصيغة اللبنانية مبنية على "نفيين" لا يصنعان أمة، معتبراً أن التوافق الهش هو أصل البلاء.

في الخلاصة، ان عظمة سويسرا لم تكن في رسم الحدود بين الكانتونات، بل في رسم الحدود بين "الزعيم والقانون". لبنان اليوم أمام مفرق طرق: إما "اللامركزية الموسعة" كحل وسط ينقذ ما تبقى، وإما الاستمرار في الصراع حتى "الانفجار الكبير" الذي قد يفرض فدرالية الدم. الحل لا يكمن في الهروب إلى "الكانتون"، بل في الهروب من "العقلية الطائفية" نحو رحاب المواطنة، سواء كانت في دولة مركزية عادلة أو اتحاد فدرالي متطور. وحتى يختار اللبنانيون وطناً لا "ساحة"، سيبقى الأرز حزيناً على خارطة تمزقها الأهواء.