ريتا عازار

"الشاهد الملك" في غرفة المعيشة

كلّ الطرق تؤدّي إلى... الأريكة

6 دقائق للقراءة

لو كنتُ أريكةً ضخمة من تلك التي تتربع في قلب غرفة المعيشة بثقة هادئة، لَفهمتُ دَوري من دون حاجة إلى تفسير. لا أسئلة كبرى ولا قلق يتسلّل إلى ساعات متأخرة، ولا قرارات تُؤجَّل ثم تُنسى. أيها السيدات والسادة، الأريكة لا تبحث عن معنى، هي تُقَدِّم مساحة يتلاشى فيها السؤال موقتًا، أو على الأقل يُؤجَّل حتى إشعار آخر لن يأتي. يجلس الناس على وسائدي لأنهم تعبوا من البحث عن الإجابات، أو لأن الحلقة التالية من المسلسل "الممغوط" بدأت. هم يسيئون فهمي عندما يظنونني مجرّد قطعة أثاث جامدة. صحيح أنني "سكتم بكتم"، لكنني بيني وبين نفسي أرى أكثر ممّا ينبغي، وأتحمّل أكثر مما يُشكر عليه أثاث محترم.

أعرفُ الفرق بين مَن يجلس ليستريح ومن يجلس ليهرب: الأول يمدّ قدمَيه، والثاني يمدّ أعذاره، وغالبًا ما يمدّ الجلسة لأكثر من "الخمس دقايق" الموعودة. كما أعرف متى تكون الضحكة حقيقية ومتى تكون تهرُّبًا لتغيير الموضوع، خصوصًا عندما تأتي أسرع من اللازم وأشبه بصفارة إسعاف. أشعر بالتوتر قبل أن يُقال، وأفهم الصمت حين تتعطّل لغة الكلام. أنا لا أحكم لكنني احتفظ بكل شيء، ليس بدافع الفضول مطلقًا، ولكن لأن لا أحد يعود ليأخذ ما قاله.

المكان نفسه، يستقبل شخصًا مختلفًا، الزاوية نفسها تحمل جسدًا جديدًا، والوسادة نفسها يُعاد ترتيبها وكأن شيئًا لم يكن. وكأن الدراما تُغسل مع الغطاء. أنا كأريكة أعرف أن معظم النهايات موقتة وأن ما يبقى ليس القرار، بل أثره الخفيف والبقعة أحيانًا.

فعلاقتي بالسوائل حذرة، لا لأنني أخافها بل لأن البشر يتعاملون مع ما يريحهم بلا انتباه لافت. يبقى فنجان القهوة على حافتي الخشبية، ويقترب كأس النبيذ أكثر من اللازم مني، وكأن السقوط احتمال عادي، عواقبه غير مهمّة، تليه لحظة انزعاج عادي، مع ترداد كلمات من نوع "بسيطة ولو!" (لا ليست بسيطة فقد أتشوّه، ولكنني تعبتُ من النقاش).


الفتات

أنا كأريكة - نجّاني الله وإياكم من كلمة أنا - أتعلّم أن أتحمّل. أتحمّل نعم، لكنني لا أنسى. الفُتات يبقى الحكاية الأصدق، أشياء صغيرة بلا قيمة تتراكم حتى تبدّل مزاجي بالكامل، إلى أن يأتي أحدهم وينفضها كأنه حلّ المشكلة جذريًا. ربما يشبه ذلك ما يحدث في يوميات الناس، لا تنهار الأشياء فجأة، بل تتآكل على مهل، كل الفرق أنني أسمع صرير الفُتات.

هناك أيضًا خريطة غير مرئية على سطحي، زاوية مفضلة تعامَل كحق مكتسَب، ووسط يُقدَّم للضيوف بتهذيب، وطرف ثان يُترك لِمن يصل متأخرًا أو لِمن لا يهمّ كثيرًا. يا له من توزيع يكشف الكثير عن من ينتمي، من يمر مرور الكرام، ومن يظن أن له مكانًا دائمًا، ومن يكتشف العكس تمامًا!


شاشتان

على وسائدي يتنقل المستريح من شاشة إلى شاشة ويظن أنه غيّر حياته. يُقرِّر أنه سيرتاح قليلًا بعد العمل، وهذا منطقيّ جدًّا، لكنه ينطلق في مشاهدة فيديوات أشخاص يعملون أكثر منه. وحين يغفو وجهاز التحكُّم عن بعد عالق تحت جسده، تكون النهاية منطقيّة، ليس انتصارًا إنما خاتمة مناسبة.

هنا يُباح بالقرارات الكبرى في وضعيّة نصف جادة، تغيير عمل، بداية جديدة، التزام صارم بنمط حياة صحيّ، كل ذلك بنبرة واثقة جدًّا وجسد مسترخٍ جدًا. وأنا لا أتدخل، لكنني شهدت ما يكفي لأعرف أن معظم هذه القرارات يذوب قبل مغادرة الغرفة.

أما الأطفال فيرونني بطريقة مختلفة تمامًا. بالنسبة إليهم لست للراحة، بل أنا مساحة متحوّلة: مرّة حصن، ومرّة سفينة، ومرّة أرض معركة. يقفزون على إسفنجي الفاخر بلا حساب، ويختبرون حدودي بلا تردُّد. في ذلك شيء مرهق لكنه صادق، خيالهم يعمل بلا أعذار ومن دون "خمس دقايق وبوقّف"!


ملكيّة مشتركة

أما الحيوانات فلا تتردّد أمام أيّ شيء بحضوري: فالقطّ يتصرّف كمالك فعليّ لي، بنظرات تقييمية مباغِتة، والكلب يقفز فوق وسائدي بفوضوية، وكأنه اكتشفني للتو، كلاهما لا يرى فيَّ سوى حق مكتسب ونقطة انتهى. مع الوقت يتسلّل إلى أنسجتي شكّ بسيط: هل أنا بريئة فعلا؟ صحيح أنني لا أفرض الكسل، لكنني ربما أجعله سهلا بإغواء لامتناهٍ، كم من "خمس دقايق" على وسائدي دامت ساعات. أنا وبكلّ صراحة لا أدفع أحدًا صوب التكاسل ولكنني بالحقيقة مريحة، فلا أعيقُ أحدًا أيضًا.


الحرب والزمن

وفي عالم خارج هذه الغرفة يتغيّر معنى وجودي تمامًا، فحين تمرّ الحرب، لا أبقى رمزًا للراحة، بل أتحوّل إلى شيء آخر: سرير موقت، ركن احتماء، مكان انتظار وقف النار، مكان غير آمن إنما هذا الموجود، وهذا قد يكفي أحيانًا. وفي حضور المسيّرات، لا يعود الصمت طبيعيًا بل يصبح مشحونًا كأن الجميع يحبسون أنفاسهم. حتى الأشياء تخرس، وأنا في تلك اللحظات، لا أراقب التفاصيل الصغيرة، بل أتلهّى بالخوف العام. حتى القفزات الطفولية تختفي، ويصبح الجلوس على وسائدي فعلا حذرًا، كأن الراحة في الحرب تحتاج إذنًا لترتاح.

ثم، إذا مرّ ذلك كلّه أعود تدريجيًا. يعود الضحك، بحذر، وترجع الأحاديث العادية كأنها إنجاز، ولكن شيئًا ما يتغيّر، وأنا على عادتي ألاحظ من دون تعليق. لست مجرّد مكان للاستراحة بل أداة يُعاد تشكيل الزمن عليها. الدقيقة في أرجائي تختلف عن الدقيقة خارجي، عندي الوقت يتمدّد، يتباطأ، يفقد حدّته وأحيانًا يفقد سمعته! وتفقد المهام العاجلة إلحاحها، كما تفقد الأفكار الكبيرة صلابتها، كأنني أعيد ترتيب الأولويات من دون إذن، كم أنا كأريكة مقنعة!


ما يبقى

أنا لا أتذكّر بل أتراكم. جلسة فوق أخرى، قصّة فوق أخرى، لهذا يشعر العائد صوبي بشيء مألوف، ليس لأنني أتذكّره، بل لإنني لا أنسى أحدًا أصلا. حتى الصمت عندي له أنواع: صمت مريح، صمت ثقيل، صمت ينتظر كلمة لا تأتي، وأنا أفرّق بينها كلّها عبر الثقل، وليس عبر الأصوات. وسيأتي يوم يُقترح فيه استبدالي، سيُقال إنني ما عدتُ مناسبة، أو إنني "هرهرت" وشكلي لم يعد يليق بالمكان. كم هو سهل قرارهم باستبدالي... "يا ضيعان العِشره"!

يمكن تغييري نعم، ولكن لا يمكن سحب كل ما شهدتُ عليه من أرجائي، خصوصًا ما لا يُقال بصوت عالٍ. فلَو كان لي لسان ونطقت، لابتززتُ نصف البشرية والنصف الثاني كان سيرفع عليّ قضايا تشهير! لقد سمعتُ كلّ شيء: من بدايات رومانسية ملؤها القبلات والضمّات وأكثر وأكثر، بدايات تنتنهي نهاية عمليّة جدًّا "عندك شارجور؟"، إلى دراما تحتاج موسيقى تصويرية، وهمسات تتحوّل فجأة إلى نقاش حاد حول فاتورة الكهرباء. تحمّلتُ كلّ شيء بِصمت طبعًا، ولكن لو أُعطيتُ حقي لطالبت ببدل إزعاج دائم، ووسادات إضافية لتعويض الأذى المعنوي، وربما اعتذارًا رسميًا عن كل مفاوضة عاطفية فاشلة جرت فوق وسائدي.

أنا لا أحتاج إلى محامي دفاع، فالجميع يعود إليّ، حتى من يظن أنه لن يفعل. بعد الحماسة، بعد الخيبات، بعد القرارات التي لم تكتمل، يجلسون، يتمدّدون ويتركون شيئًا آخر ليوم آخر، وأنا لا أمنعهم أنا فقط أجعل ذلك أسهل مما ينبغي. آه لو كنت أريكة!