ريتا عازار

ديكور من خارج المدار... لو كنتُ من كوكب زُحَل

6 دقائق للقراءة

فكرة أن أصير مهندسة ديكور من كوكب بعيد، لم تأتِ من نوبة جنون مفاجئة ولا من تأملٍ طويل في جدران غرفتي. كلّ الحق على برنامج أتابعه على القناة الفرنسية الثانية! برنامجٌ يأتي إليه الناس لبيع "الأنتيكا"، ثم يأتي بعده ذاك البرنامج القصير الملحق به، الذي يعرض كيف يُرمَّم ما اشتُري وكيف يُعيد الفنانون والنحّاتون والمتخصّصون في الترميم الحياةَ إلى قطعة أثاثٍ كانت تترنّح على حافة التقاعد.

أقف أمام الشاشة مأخوذة، أراقبهم وهم يلمّعون، يرمّمون، ينفخون الروح في الخشب العجوز، وأتساءل كيف يمكن لبعض الطلاء والخيال أن يغيّر مصير طاولة؟ هناك، أمام التلفاز، وُلدَت الفكرة: سأصبح مهندسة ديكور! لكن، وكما تعرفون، لا شيء عندي يسير بطريقة عادية، فلماذا أكون مهندسة ديكور من الأرض، بينما بإمكاني أن آتي من كوكب زُحَل؟ كوكب لا يخاف من الألوان، ولا يعترف بالقواعد، حيث الجدران تتكلم والمصابيح تفلسف الضوء!


الحرب على "البيج"

لو كنتُ مهندسة ديكور، لكانت الجدران تبكي من كثرة المفاجآت، والأبواب تتنهّد كلّما مرّ أمامها لون جديد لا تعرف له اسمًا ولا أصلًا ولا وطنًا. لو كنتُ مهندسة ديكور، لما تركت بيتًا واحدًا على وجه الأرض بملامح متزنة أو تنسيق منطقي. كنتُ سأحوّل غرف النوم إلى كواكب صغيرة تدور حول مصابيح الثريات، وأحوّل الحمّامات إلى متاحف فلسفية للمُنشفات المُبلّلة بالحكمة.

أوّل ما كنتُ سأفعله هو إعلان الحرب على اللون "البيج". هذا اللون الذي قرّر منذ الأزل أن يعيش بلا طموح. كنتُ سأحظره كما تُحظر المواد الخطرة، وأعلن عنه بلاغًا رسميًا: "البيج متهمٌ بالملل، الرجاء التبليغ عن أي ظهور مشبوه له في الأرائك أو الجدران". بدلًا منه، كنتُ سأخترع لونًا جديدًا أسمّيه: "رماديّ الحيرة المتفائلة". لون لا يعرف هل هو حزين أم سعيد، لكنه على الأقلّ يُشبهنا.


منازل ضد الحزن

لو كنتُ مهندسة ديكور، لكنتُ مزقت فكرة "التناسق" في العلن. ما معنى أن تتناسق الألوان؟ الحياة أصلًا لا تتناسق: البحر ليس بنفس درجة زرقة السماء، والسماء لا تتناغم مع أعصاب الناس، ومع ذلك، الجميع يعيش. إذًا لِمَ ينبغي أن تتناغم الأرائك مع السجّاد؟ أنا أطالب بِحُرّية اللون، بحقه في أن يكون فوضويًا، صارخًا، متناقضًا. سأضع الأحمر الفاقع بجانب البنفسجيّ الصارخ، وأضيف إليهما لمسة من الأصفر الغيور، وأسمّيها: "ثلاثيّة الصّدمة الحضاريّة".

لو كنتُ مهندسة ديكور، لفتحت قسمًا خاصًا في مكتبي لتصميم الأثاث العاطفي، كرسيّ يتحوّل إلى أريكة إذا شعر بالوحدة، طاولة تنكمش خجلًا إذا جلس إليها شخص متوتر، مرآة تصفق لكم إذا خرجتم من البيت بملابس متناسقة، وتعبس إن قررتم ارتداء الجوارب مع الصنادل. سيكون عندي أيضًا سرير ذكيّ، يرفض أن يترككم تنهضون قبل أن تقولوا له: "صباح الخير يا وسادة الكمال الموقت".

لو كنتُ مهندسة ديكور، لصمّمتُ منازل ضدّ الحزن، ستائر تنفتح وحدها عندما يكتئب صاحب البيت، ومصابيح تضيء إذا سمعَت صوت بكاء، وجدرانًا تُصدر موسيقى ناعمة كلّما ارتفع الضغط النفسي، وربما أيضًا، سجّادة فيها خاصية "التنهّد"، تخرج منها تنهيدة دافئة كلّما مشى فوقها أحد يشعر بالخذلان.


ألوان مستحدثة

ولو كنت مهندسة ديكور لأوجدتُ ألوانًا جديدة لا تُرى بالعين المجردة، بل تُحَسّ بالقلب فقط. لون "الحنين الصامت"، ولون "الضحك القديم"، ولون "كآبة القهوة الخامسة مساءً". هذه الألوان ستكون مخصّصة للغرف التي ننام فيها لنستيقظ على أحلام ذات درجات لونيّة دقيقة.

كنتُ سأمنع استخدام اللون الأبيض في المستشفيات. الأبيض يجعل الناس يخافون. بدلًا منه، كنتُ سأستخدم لونًا سماويًا مطمئنًا، أسمّيه "زرقة الرجاء"، لون يشعر المريض أنّ الممرّضة ملاك حقًا، وأنّ الحقنة وعود بالشفاء. وسأمنع الأسوَد في المكاتب الرسمية، لأنّ الأسوَد، في رأيي، لا يليق بالبيروقراطية. البيروقراطية تحتاج لونًا رماديًا مشوَّشًا يليق بتأجيل المعاملات.

لو كنتُ مهندسة ديكور، لكانت بيوتنا أماكن تضحك فيها الجدران، سأصمّم نوافذ تُصدر صوت ضحكة عندما يدخل منها الضوء، وأبوابًا تهمس لكم: "أهلًا بعودتكم، لقد اشتقنا إليكم". سأجعل الممرّات تردّ التحية، والمطابخ تغني وصفة الطعام قبل أن تنضج. لا أريد بيوتًا صامتة، الصمت ليس ديكورًا.

وبما أنني أعشق الأشياء غير المفهومة، فسأبتكر غرفة خاصة اسمها: "غرفة الحيرة الجمالية". فيها كل ما هو غير مبرّر: كرسي معلّق في السقف، ساعة تمشي عكس الزمن، ولوحة نصفها مطليّ باللامبالاة. هذه الغرفة ستكون مخصّصة للتفكير، أو بالأحرى، للامتناع الموقّت عن التفكير.


متحف الألوان المنقرضة

لو كنتُ مهندسة ديكور، لافتتحتُ أيضًا أول متحف للألوان المنقرضة. فيه لون "البرتقالي الطفولي" الذي اختفى مع الرسوم المتحركة الصباحيّة، ولون "زهريّ التسعينات" الذي مات دهسًا تحت موضة الرمادي العصريّ، ولون "بُنيّ الجدّة" الذي كان يغطي الأريكة مع كيس بلاستيكيّ للوقاية من الزمن. سأعيد الاعتبار لكلّ تلك الألوان المنسيّة، لأنها جزء من ذاكرة العاطفة البشرية.

أما عن الأزياء، فكنتُ سأقترح أن يرتدي الناس ألوانًا تعكس مزاجهم الفعليّ. تخيّلوا يومًا يدخل فيه الجميع إلى العمل وهم يلبسون اللون الرماديّ الكئيب! عندها سنفهم أنّ المشكلة ليست في طلاء الجدران، بل في سياسات المدير. وسأقترح زيارات أسبوعية لمصمّمي الديكور إلى المدارس، لأنّ الأطفال وحدهم يعرفون كيف يتعاملون مع الألوان بصدق، هم لا يخافون من أن يضعوا الأخضر بجانب الزهريّ، لأنهم لم يتعلّموا بعد معنى "عيب بصريّ".

لو كنتُ مهندسة ديكور، لكنتُ أعلنتُ أنّ اللون ليس خيارًا تجميليًا، بل عقيدة فكرية. من يختار الأبيض يعيش في حلم النظام، ومن يختار الأحمر يعيش في شغف الوجود، ومن يختار الرمادي يعيش في انتظار الألوان الأخرى. كنتُ سأدرّس مادة اسمها: "فلسفة التدرّج"، وموضوعها: كيف نفهم أنفسنا من خلال لوحة الألوان.


زُحل يُضحك الألوان

ولو كنتُ من كوكب زُحَل، لكانت الألوان عندي تطفو في الهواء بدلًا من أن تُطلى على الجدران. كلّ غرفة هناك ستبدو مثل فقاعة متحرّكة، وكلّ لون سيغني نغمة تخصّه. ستجد الأريكة تسبح في الفراغ، والستارة تتأمّل المجرّة، والإنارة تتبدّل بحسب حركة الأقمار. هناك، في زُحَل، لا أحد يسأل: "هل هذا اللّون يناسب تلك الغرفة؟"، لأنّ السؤال نفسه يُعتبر جريمة في حق الإبداع.

وفي النهاية، لو كنتُ مهندسة ديكور لما سعيتُ إلى جعل العالم أجمل، بل أكثر صدقًا. الجمال الحقيقيّ لا يأتي من التناسق، بل من الجرأة على خرقه. وربما كنتُ سأكتب على جدار مكتبي الشعار الرسمي لمهندستي الافتراضية: "الفوضى ليست عيبًا في التصميم، إنها دليل حياة". ولعلّي كنتُ سأختم كل مشروع بكوب قهوة داكن اللون، أراقب فيه انعكاس الألوان على سطحها، وأقول لنفسي: "ليت العالم يفهم أن الديكور ليس أثاثًا، بل هو موقف فلسفيّ من العبث".

أنصحكم بِشُكر الله لأنني لست كذلك. فلو كنتُ مهندسة ديكور فعلًا، لاستيقظتم صباحًا لتجدوا منازلكم قد تغيّرت ملامحها تمامًا. لهذا، صدّقوني، العالم أكثر أمانًا وأنا مجرّد كاتبة تحلم من بعيد. لكن احذروا فإن رأيتم يومًا جدارًا يضحك أو ستارة تغيّر لونها حين تمرّون بها، فربما أكون قد وصلتُ أخيرًا من زُحَل!


بسمة على الحائط

البرنامج السبب