يشكّل قانون إعادة تنظيم المصارف، نموذجًا سافرًا لطريقة تعاطي صندوق النقد الدولي مع الدولة اللبنانية. وتكاد تصرفات الصندوق تشبه الأسلوب الذي يعتمده المندوب السامي لدى الدول التي تخضع للانتداب. صحيح أننا كنا نعرف مسبقًا بوجود شروط تنبغي تلبيتها للوصول إلى اتفاق مع الصندوق، لكن القضية تجاوزت سقف الاشتراط، ووصلت حدّ تعمُّد تجريد الدولة بكلّ مؤسّساتها من الحدّ الأدنى من الحصانة.
هذا القانون الذي يُفترض أنه أُشبع درسًا من قبل الحكومة، قبل إحالته إلى مجلس النواب، وبعد التشاور مع كلّ الجهات المعنيّة، بما فيها طبعًا صندوق النقد، خضع حتى الآن لأربعة تعديلات متتالية، استنادًا إلى الشوائب التي تضمّنها، والتي حدّدها المجلس الدستوري في قرار أصدره في 3 تشرين الأول 2025، واستنادًا إلى شروط صندوق النقد وفرضه إدخال تعديلات، الأكثر نفورًا فيها، تلك التي تتجاوز رأي المجلس الدستوري، وتتعدّى على القوانين اللبنانية القائمة، ومن ضمنها قانون النقد والتسليف.
وبصرف النظر عن مضمون تلك التعديلات، ومن حيث الشكل على الأقلّ، ظهرت الحكومة في مظهر المؤسسة الضعيفة الخاضعة للإملاءات، أو العاجزة عن إنجاز مشروع قانون مُتقن، لا يحتاج إلى هذا الأخذ والردّ. وقد اضطرّت الحكومة، وبعد صدور القانون من المجلس النيابي، إلى تعديل أوّل وثانٍ في 23 تشرين الأول 2025، وفي 8 نيسان 2026، ومن ثمّ أعدّت وزارة المال اقتراحًا جديدًا لتعديلات إضافية، بعد التشاور مع صندوق النقد. هذه التعديلات كانت مدار نقاش في مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة يوم الخميس. والمفارقة أن النقاش، انتهى إلى الإبقاء على التعديلات كما طلبها صندوق النقد، من دون زيادة أو نقصان.
النافر في هذا المسار، أن الملاحظات التي تضعها المؤسّسات اللبنانية المعنية، بما فيها المجلس الدستوري، أعلى سلطة قضائية، ومصرف لبنان، أعلى سلطة نقدية، والمصارف، وهي الطرف المعنيّ بالملف، كان يتمّ التعاطي معها على أساس المساومة وقبول نقاط ورفض نقاط أخرى، في حين أن ملاحظات صندوق النقد مُلزمة بحرفيتها وغير قابلة للمساومة، حتى لو تعدّت على القوانين والصلاحيات الداخلية.
هذه باختصار قصة التعديل الأخير الذي ناقشته جلسة الحكومة، والتي تمحورت حول المادتين 3 و 13 من قانون إعادة تنظيم المصارف. المادة 3 التي تمنح الغرفة الثانية في الهيئة المصرفية العليا صلاحيات تتضارب مع قانون النقد والتسليف، وتمسّ باستقلالية البنك المركزي. والمادة 13 التي تمنح الغرفة الثانية صلاحية الطلب من مصرف لبنان إصدار تعاميم تتعلّق بمصرف محدّد أو بمجموعة مصارف في سياق إعادة هيكلة المصارف.
هذا الأسلوب الفوقي في التعاطي مع الحالة اللبنانية، لا يوحي بأن الأمور ستمضي بسلاسة في المرحلة المقبلة، خصوصًا عندما يحين موعد مناقشة قانون الفجوة المالية، وهو الأهمّ والأكثر حساسية، والذي يحتاج إلى مواقف صلبة تساعد على لبننة المعالجة. والطريق إلى هذا القانون ينبغي أن يمرّ حكمًا بالتعديلات المقترحة على قانون تنظيم المصارف. وبالتالي، سيحصل المجلس النيابي على فرصة جديدة، لكي يثبت أنه قادر على فرض إيقاعه، وإعادة المبادرة إلى الداخل، من خلال قوانين تعيد بعض الاحترام إلى "الكرامة" الوطنية المرتبطة باحترام المؤسسات والقوانين القائمة. والأهم، أن تكون القوانين عادلة وواقعية، من دون أن يعني ذلك أن المطلوب حالة تصادمية مع المؤسّسات الدولية.
من خلال التجارب، يمكن الجمع بين المصلحة العامة ومتطلّبات الخارج، وما ينقصنا هو جهد سياسي إضافي، يستطيع أن يضمن التغطية المطلوبة لذلك.