تعتمد الصناديق الاستثمارية التي ترصد التطورات في لبنان، على مجموعة مؤشرات لتقييم أي تطور يحصل على مستوى تحسّن الظروف التي قد تسمح بالعودة الى الاستثمار في بيروت. ومن خلال رصد حركة أسعار اليوروبوندز، يمكن أن نعرف كيف يتفاعل بارومتر الثقة الخارجية، مع الأخذ في الاعتبار، أن نسبة محدّدة من هذه الثقة، ترتبط حصراً بالسلوك المتعلّق باعطاء الأفضلية في تسديد الديون الى حاملي السندات الأجانب، بايعاز وتوجيه من صندوق النقد الدولي.
الأسعار التي سجّلتها سندات اليوروبوندز في الاسبوعين الأخيرين ملفتة، وقد وصلت مجدداً الى عتبة الـ28 سنتاً، (استحقاق 2037)، بعدما كانت قد تراجعت الى معدل 25 سنتاً. هذا الارتفاع يمكن ربطه بتطورين أساسيين:
الأول سياسي، وهو الأهم ربما، ويتعلّق بالنتائج الايجابية التي حققتها زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الى واشنطن. والثاني، يرتبط بالتقدّم الذي تحقّق على مستوى انتاج قانون لانتظام العمل المصرفي، يمكن أن يمهّد الطريق لتسهيل إقرار قانون استرداد الودائع، بصيغة منطقية قابلة للتنفيذ.
ارتفاع اسعار اليوروبوندز، رغم انه ينطوي على ناحية ايجابية لجهة ارتفاع منسوب الثقة بقدرة البلد على تسديد ديونه، بعد اعادة الهيكلة، إلا أته يفتح باب النقاش في شأن تسديد الديون الداخلية أيضاً. وهنا بيت القصيد، لأن إنجاح قانون إسترداد الودائع، يعتمد على النهج الذي سيتمّ اعتماده في معالجة ديون الدولة. فهل يمكن اللجوء الى مبدأ تحويل الديون الى استثمارات، كمخرجٍ بديل؟
هذه الفكرة اعتمدتها مصر في معالجة قسم من ديونها الخارجية، من خلال بعض النماذج، من بينها برنامج مبادلة الديون مع المانيا بقيمة 340 مليون يورو، بالاضافة الى صفقة تطوير مدينة رأس الحكمة، التي تضمّنت تحويل 11 مليار دولار من الودائع الاماراتية لدى البنك المركزي المصري الى استثمارات ضمن اتفاق بلغت قيمته الاجمالية 35 مليار دولار.
يمكن لبننة هذه التجربة، مع الأخذ في الاعتبار ان ديون الدولة اللبنانية مكوّنة في معظمها من ديون لأفراد وليس لدول، من خلال الاستدانة من مصرف لبنان، حيث كانت تتواجد اموال الافراد (المودعون)، أو من خلال طرح سندات كما هي حال اليوروبوندز.
ومع ذلك، يمكن العمل على صيغة متطورة، تسمح باشراك الافراد أو الصناديق الاستثمارية الأجنبية في استثمارات تستند على مؤسسات عامة تملكها الدولة حتى الان، ويتعرّض بعضها لخسائر، في حين أن مردود بعضها الآخر دون المعدل الطبيعي الذي يمكن ان تحققه مثل هذه المؤسسات الخدماتية الحيوية. كما يمكن الاعتماد على المحفظة العقارية الفضفاضة التي تملكها الدولة، لضمان قيام استثمارات تحول هذه المحفظة من أصول جامدة غير مُنتجة، الى مشاريع تدرّ أموالا طائلة على الخزينة.
تحويل الديون (الودائع ضمنها) الى استثمارات ليس مجرد مشروع وهمي، لكنه يحتاج الى ظروف مناسبة، في مقدمها استعادة الدولة لسيادتها بالكامل (حصرية السلاح)، وانجاز اصلاحات القطاع العام.