شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في طبيعة الحروب والصراعات المسلحة، حيث لم تعد المعارك تعتمد فقط على الدبابات والطائرات والجيوش النظامية الكبيرة، بل دخلت مرحلة جديدة تقوم على التكنولوجيا، والمرونة، والضربات الدقيقة، والحرب النفسية والإلكترونية، وتأثير أسلحة جديدة رخيصة الثمن لتحل مكان منظومات بملايين الدولارات.
ويُعد الغزو الروسي لأوكرانيا المثال الأوضح على هذا التحول، حيث كشفت عن نهاية كثير من المفاهيم العسكرية التقليدية، وصعود أدوات جديدة غيّرت ميزان القوة.
عندما حاولت روسيا احتلال كييف لعبت مسيرات بيرقدار في تدمير رتل روسي امتد لأكثر من 40 كلم ما سبب فشل الهجوم وتدمير أكثر من 1400 آلية خلال 72 ساعة وسقوط أكثر من 15 ألف جندي روسي.
هذه الواقعة فتحت العين على سلاح جديد يخلق تغيير دوري في العقيدة القتالية، حيث كانت الجيوش الكبرى تعتمد على التقدم البري الكثيف، واستخدام المدرعات، والسيطرة على الأرض عبر قوات ضخمة ومنظمة، لكن ما جرى في أوكرانيا أظهر أن الدبابة لم تعد وحدها سيدة الميدان، وتدميرها أصبح بمفتاح بمسيرة لا يتجاوز سعرها بضعة مئات من الدولارات، وأن القوات الصغيرة المزودة بالتكنولوجيا يمكنها تعطيل أرتال عسكرية كاملة.
يلعب سلاح الطائرات المسيّرة دوراً محورياً في الاستطلاع، وتحديد الأهداف، وتنفيذ هجمات مباشرة بتكلفة منخفضة مقارنة بالصواريخ والطائرات التقليدية، كما برز دور الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور، وتتبع التحركات، واختيار الأهداف بسرعة كبيرة، إضافة إلى إدارة المعلومات الميدانية بشكل لحظي. وأصبحت سرعة نقل البيانات والاتصال أهم أحياناً من عدد الجنود أو حجم السلاح.
ومن أبرز نتائج الحرب الأوكرانية أيضاً تراجع فعالية بعض التشكيلات العسكرية الكلاسيكية، مثل الهجمات المدرعة الواسعة أو خطوط الجبهة الثابتة، حيث لا تزال روسيا تستخدم أسلوب الهجمات البرية التقليدية ما سبب لها خسائر بشرية هائلة، في وقت تستخدم اوكراني أسلوب "الحرب المرنة" التي تعتمد على وحدات صغيرة، وضربات مباغتة، وانتشار سريع، واستخدام مكثف للمسيّرات والانظمة المضادة لها.
هذا التحول لم يبقَ محصوراً في أوروبا، بل انعكس على مناطق أخرى، ومنها منطقة الخليج العربي. فقد أظهرت الهجمات الإيرانية أو الهجمات المنسوبة إلى جماعات مدعومة من إيران ضد منشآت خليجية، أن طائرات مسيّرة بسيطة وصواريخ منخفضة الكلفة قادرة على تهديد منشآت استراتيجية عالية القيمة. وهذا غيّر مفهوم الدفاع التقليدي، حيث باتت تلك الدول بحاجة إلى شبكات رصد واعتراض ذكية أكثر من حاجتها فقط إلى سلاح دفاعي تقليدي ثقيل، ما فتح الباب لزيلينسكي للاستفادة من الظرف عبر تقديم خبرات اوكرانية في التعامل مع المسيرات الايرانية، الأمر الذي تجسد في زيارة الرئيس الأوكراني إلى دول الخليج العربي والأردن وتوقيع اتفاقيات تعاون عسكري مع كييف لتطوير الدفاعات الجوية.
أما في جنوب لبنان، فقد ظهر استخدام الطائرات المسيّرة بشكل متزايد من قبل حزب الله، ما يعكس انتقال خبرات وتقنيات مرتبطة بالمحور الروسي-الإيراني إلى ساحات جديدة. وأصبحت المسيّرات أداة للاستطلاع والهجوم والضغط النفسي، وإرسال الرسائل العسكرية دون الدخول في حرب شاملة، وظهرت بوضوح البصمات الروسية في جنوب لبنان عبر تزويد حزب الله بالمسيرات الهجومية الصغيرة، التي أربكت الجيش الاسرائيلي الذي لم يتوقع هذا النوع من القدرات التي يمتلكها حزب الله.
نشهد اليوم ولادة جيل جديد من الحروب، حيث يمكن لقوة صغيرة تمتلك التكنولوجيا أن تربك جيشاً أكبر منها. فلم تعد القوة تقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل بامتلاك المعلومات، والسرعة، والذكاء الاصطناعي، والقدرة على تشغيل أدوات منخفضة الكلفة وعالية التأثير، بدأت عديد من الدول توجيه الجيوش أكثر نحو الروبوتات، والحرب السيبرانية، وأنظمة الدفاع الذكية، بينما سيتراجع تدريجياً الاعتماد المطلق على الأساليب التقليدية. لقد أثبتت حرب أوكرانيا أن الحروب القادمة لن تشبه حروب الماضي، وأن من لا يواكب التطور التكنولوجي قد يخسر المعركة قبل أن تبدأ.