حيدر الأمين

الإسناد في ميزان الواقع: مقاربة في الكلفة والنتائج

5 دقائق للقراءة

تُطرح “المقاومة” في الخطاب السياسي والإعلامي بوصفها إطارًا جامعًا لقيم الدفاع والردع، وفي هذا السياق برز مفهوم “الإسناد” كأحد تعبيراتها العملية. وغالبًا ما يُقدَّم هذا المفهوم بصيغة تبدو بديهية، بما يجعل النقاش حوله محدودًا أو مؤجّلًا. غير أن مقاربة أكثر هدوءًا تقتضي النظر إلى “الإسناد” بوصفه خيارًا يرتبط بسياقات محددة، ويستدعي تقييمًا يستند إلى معطيات الواقع، من حيث الكلفة والنتائج، لا الاكتفاء بصيغته الخطابية العامة.

أول ما ينبغي توضيحه هو أن “الإسناد” ليس مفهومًا محايدًا أو ثابتًا، بل هو خيار سياسي واستراتيجي يرتبط بسياق محدد، وبموازين قوى، وبقدرات فعلية. فليس كل انخراط في المواجهة أو فتح جبهة إضافية يؤدي بالضرورة إلى تعزيز الموقع الاستراتيجي أو تحقيق أهداف واضحة. على العكس، تُظهر التجارب أن توسيع رقعة الصراع دون امتلاك شروط الحسم لا يراكم قوة، بل قد يكرّس اختلالًا قائمًا، ويحوّل الاشتباك إلى استنزاف مفتوح لا يغيّر قواعد اللعبة.

في هذا الإطار، يُفترض أحيانًا أن مجرد الدخول في المواجهة يقيّد الطرف المقابل أو يحدّ من حركته. غير أن هذا الافتراض لا يتحقق تلقائيًا، إذ يرتبط أثر أي مواجهة بمدى قدرتها على فرض معادلات جديدة أو تعديل سلوك الخصم بشكل واضح. أما إذا بقيت ضمن حدود يمكن للطرف الآخر استيعابها، فإنها تميل إلى فقدان فعاليتها الردعية، وتتحول إلى فعل مرتفع الكلفة محدود الأثر.

ومن زاوية أصولية في الفقه الإمامي، لا يُتعامل مع الأفعال ذات الطابع العام أو المرتبطة بالمصالح العليا بوصفها أحكامًا مطلقة منفصلة عن نتائجها، بل تُفهم ضمن إطار التزاحم، حيث يُقدَّم الأهم على المهم ويُرجَّح ما يقلّ فيه الضرر عند تعذر الجمع بين المصالح. ويتكامل هذا مع القواعد الفقهية العامة في أبواب الجهاد والمصالح، من اشتراط القدرة، ومراعاة المصلحة، وتجنب ترتب الضرر الأكبر، بما يُفهم معه أن أي فعل يفضي إلى كلفة أوسع أو نتائج سلبية أرجح دون تحقيق مصلحة واضحة، لا يُنظر إليه بوصفه خيارًا مطلقًا، بل ضمن دائرة التقدير والمراجعة وفق هذه الضوابط.

غير أن أحد أبرز جوانب النقاش يتصل بالكلفة الإنسانية المباشرة. فمع أي تصعيد، تتحمل المجتمعات المحلية تبعات ثقيلة، من تهجير وتضرر في البنية التحتية وتراجع في شروط الاستقرار. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن الموازنة بين الأهداف المعلنة وأثرها الفعلي على حياة الناس؟ وهل يمكن فصل التقييم الأخلاقي لأي خيار عن نتائجه الملموسة؟

إن المسؤولية الأخلاقية، لا سيما لدى من يتبوأ موقعًا عامًا أو معنويًا، لا تقتصر على تبرير الخيارات، بل تشمل أيضًا تقدير نتائجها وتحمّل تبعاتها. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري اعتماد معيار واضح: أي فعل لا ينعكس أثره بشكل ملموس في موازين القوى، ولا يساهم في تخفيف الكلفة عن المجتمع، يظل بحاجة إلى مراجعة وتقييم مستمرين.

سياسيًا، يطرح مفهوم “الإسناد” بصيغته المتداولة أسئلة تتصل بطبيعة القرار العام. إذ إن إدارة لحظات التصعيد تتطلب وضوحًا في المرجعيات وآليات اتخاذ القرار، بما ينسجم مع فكرة الاستقرار طويل الأمد. وفي غياب هذا الوضوح، تتعقّد عملية التقدير، وتزداد كلفة الخيارات على المستوى الوطني.

أما على المستوى التاريخي، فتُظهر التجارب أن نتائج المواجهات لا تأتي بصيغة واحدة، بل تختلف باختلاف السياقات والظروف. فبعضها حقق مكاسب ملموسة، فيما قاد بعضها الآخر إلى أعباء إضافية، وهو ما يدعو إلى الحذر من التعامل مع أي نموذج بوصفه قاعدة عامة يمكن إسقاطها على كل الحالات.

في البعد الديني، يُستحضر أحيانًا خطاب أخلاقي لتعزيز فكرة “الإسناد”. غير أن التراث الفقهي الإسلامي يربط أي فعل قتالي بجملة من الشروط، منها القدرة، وتحقيق المصلحة، وتجنب الضرر الأكبر. وتُختصر هذه المقاربة في قاعدة معروفة: “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”، بما يقتضي النظر في مآلات الأفعال ونتائجها عند تقييمها.

يبقى السؤال العملي: ما هي الصيغة الأكثر توازنًا في مقاربة مثل هذه الخيارات؟ لا يعني نقد مفهوم “الإسناد” بصيغته المفتوحة الدعوة إلى الانكفاء أو تعطيل فكرة الدعم في ذاتها، بل إلى إعادة تنظيمها ضمن رؤية أكثر انضباطًا وارتباطًا بقرار جامع. فالدعم في السياقات المعقدة لا يكون خيارًا واحدًا أو نمطًا واحدًا، بل منظومة أدوات تتدرج بين السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والإعلامي، وتُدار وفق تقدير شامل للكلفة والقدرة والنتائج. كما أن أي خيار ذي طابع تصعيدي، متى فُرضت ضرورته، يبقى بحاجة إلى أن يُدرج ضمن إطار مؤسساتي واضح يضمن وحدة القرار وتقدير مآلاته على مستوى الدولة والمجتمع، بدل أن يتحول إلى مسار مفتوح خارج هذا الإطار.

أما من حيث المنطق، فتبرز إشكالية تستدعي التوقف: إذا كان الهدف من “الإسناد” تعزيز القدرة أو الحدّ من مخاطر معينة، فإلى أي مدى تنعكس هذه الأهداف بشكل واضح في الواقع؟ وكيف يمكن تقييم الخيارات إذا لم تُربط بنتائج قابلة للملاحظة؟

في المحصلة، لا يمكن لأي مفهوم مهما كانت خلفيته أن يبقى خارج دائرة التقييم. فالقيمة الأخلاقية لا تنفصل عن أثرها الواقعي، والسياسة بطبيعتها مجال تُقاس فيه الخيارات بنتائجها. ومن هذا المنطلق، فإن النظر في مفهوم “الإسناد” بوصفه خيارًا قابلًا للتقييم لا ينتقص من موقعه، بل يضعه في سياق مقاربة أوسع تربط بين المبادئ والنتائج.

بهذا المعنى، لا يعود النقاش حول “الإسناد” ترفًا فكريًا، بل شرطًا لأي مقاربة مسؤولة. فالمجتمع الذي يُدفع إلى المواجهة دون حساب، لا يحمي قضية ولا يصون شعباً. وبين سردية التعبئة ومنطق النتائج، يبقى المعيار الجدي: أي خيار لا يخفّف الكلفة عن الناس ولا يقرّب تحقيق الهدف، هو خيار يحتاج إلى مراجعة لا إلى تكرار.