ميشال الدكاش

فوبيا الوضوح: حين يصبح "فحص الدم" معياراً للوطنية

4 دقائق للقراءة

إن أخطر أنواع القمع ليست تلك التي تُفرض عليك بالقوّة، بل تلك التي تدفعك نفسيّاَ إلى مراقبة ذاتك بنفسك، حتى قبل أن يراقبك الآخرون.

لطالما كان "اللون" في الفكر السياسي، تهمةً تبحث عن براءة، لا جزء من هويّة تفتخر بكيانها. نحن نعيش في مختبر كبير فاقد للثقة المجتمعية، حيث يُحتفى بالرمادي كقيمة عليا، ويُنبذ الوضوح كخطيئة مميتة. ذلك الكائن الرمادي المائع، الذي يشبه الماء: لا طعم، لا رائحة، لا موقف. هذا النوع يريح "الأكثريات المريضة"، لأنّه لا يهدّد سردياتهم ولا يفضح تناقضاتهم. في هذا المجتمع، إن كنت بلا لون، فأنت المفضل، الأنيق، "الآدمي" فيباهون بك ويخبرونك عن ألوانهم الواضحة جهارةً وبكل ثقة.

أما إذا كان لونك ضبابياً أو غير مفهوم، فإنك تثير فيهم "قلق اللايَقين ( (ambiguity intoleranceوهنا يتحول الحديث معك إلى حقل ألغام، فينتقون كلماتهم، يراقبون مخارج حروفك، ويحاولون فكّ شفرتك النفسية خوفاً من أن تكون "عدواً مستتراً" أو "مشروعاً لخصم" لم ينضج بعد. فالإنسان المركّب يخيف العقول الكسولة لأن الذي لا يمكن تصنيفه بسرعة، يُعتبر مشروع خطر مؤجّل.

الكارثة الحقيقية تبدأ عندما تجرؤ على أن تكون واضحاً. هنا، وبقدرة قادر، تسقط عنك صفة الموضوعية وتُلبس ثوب "التطرف".

الوضوح في لبنان ليس استقامة فكرية، بل هو إعلان حرب على منظومة "التقيّة" التاريخية. هؤلاء الذين تربوا على موائد التزلُّف والتملّق والمَلعنة، والذين أتقنوا فنّ المواربة حتى ضاعت ملامح وجوههم الحقيقية، يطالبونك بفحص دم سياسي كلما ضاقت مصالحهم، كي يطمئنّوا أنّك ما زلت ضمن المختبر الوطني المقبول، في حين أنهم قضوا عمرهم في التقيّة والتلوّن نسبةً لمصالحهم الشخصية، وأصبحوا خبراء اليوم في الاعتدال والديمقراطية والانفتاح.

في علم النفس السلوكي، الإنسان الانتهازي لا يبحث عن الحقيقة، بل عن "الأمان الاجتماعي". لذلك، يبدّل قناعاته بحسب موازين القوى وحين يرى شخصاً ثابتاً، يشعر بالإهانة داخلياً، لأنّ الثبات يفضح هشاشته. لهذا السبب، كثير من الناس لا يكرهون الآخر المختلف لأنّه قد يكون مخطئاً، بل لأنّه غير قابل للتدجين.

من منظور "الكوتشينغ" وتحليل السلوك لدى الجماعات والأفراد، نحن أمام حالة من "الاغتراب الأخلاقي" أو ما يُعرَف بالMoral Alienation . هذا السلوك ليس مجرد خيار سياسي، بل هو آلية دفاعية ناتجة عن صدمات تاريخية جعلت من الكذب وسيلة للنجاة. المشكلة أن هذه الآلية ليست موجودة فقط في المعترك السياسي بل تتشعّب في تفاصيل الحياة اليومية والمهنية. نرى ذلك في الشركات، في الأحزاب، في المؤسسات، في الجمعيات وحتى في الدوائر الاجتماعية الضيقة: إذا اختلفت مع "صاحب سلطة" سواء كانت سلطة مال أو قرار أو حتى نفوذ معنوي، وكان هذا الاختلاف مبنياً على وضوحك وهويتك الصريحة، فلن يناقشك في طروحاتك. لا بل، ستُحاكم بعقوبة "المؤبّد المعنوي" مع أشغال شاقة قد تصل لحدّ "الإعدام المعنوي"، بسبب صدقك الذي قد يخدش "إيغو" التبعية لديه.

هذا جزء صغير من واقع منظومة تعيد إنتاج نفسها عبر قمع المتمايزين ومكافأة المتزلّفين. فالسخرية المُرة هنا هي أن هؤلاء "المنفتحين" الجدد هم أكثر الناس انغلاقاً على مصالحهم الضيقة؛ يرفعون شعار الانفتاح والتقدم وفي داخلهم متملّق يستصعب رؤية شخص يمتلك حرية أن يقول "لا".

وهنا تكمن الكارثة التربوية الكبرى: الناس لم تعد تربّي أبناءها على القيم والمبادئ، بل على مهارة النجاة داخل القطيع. كيف تتكلّم دون أن تقول شيئًا، كيف تبتسم لمن تحتقره، كيف تغيّر خطابك بحسب ميزان القوى وصولاً لكي تكون "شاطراً حربوقاً في الحياة"، ثم يستغربون لماذا أصبح المجتمع متوتّراً، فاقدًا للهوية، خائفًا من التعبير الحقيقي.

إن تغيير هذا الواقع لا يبدأ بتبديل الوجوه في التعيينات أو الاستشارات أو صناديق الاقتراع، بل "بصدمة وعي" سلوكية تقلب الطاولة على مفهوم "التقية" الاجتماعية. علينا أن ندرك أن "اللون الواضح" هو قمة الشجاعة النفسية في زمن التفاهة والانبطاح الجماعي.

ختاماً، إن مجتمعاً يخشى "اللون" ويقدس "الرمادي" هو مجتمع يحكم على نفسه بالبقاء في العتمة. فالمشكلة ليست في اختلاف الألوان بل في مجتمع يريد الجميع فيه أن يكونوا نسخة قابلة للتصفيق، لا للتفكير. أما الذين يمارسون "فحص الدم" يومياً، هم أنفسهم الذين يحتاجون إلى "نقل دم" قِيمي وأخلاقي وفكري لإنقاذ ما تبقى من إنسانيتهم.

الوضوح مكلف، نعم، لكنه التكلفة الوحيدة التي تستحق أن تُدفع لشراء "الذات" من سوق النخاسة السياسي والاجتماعي. فإما أن تكون أنت، بكل قيمك وحريتك وجرأتك ضمن حدود الاحترام واللياقة، وإما أن تكون مجرد ظل في مسرحية هزلية يخرجها الفاشلون ويصفق لها الخائفون.