نبيل يوسف

قبل نصف قرن: سركيس من حاكمية مصرف لبنان إلى الجمهورية تحت النار

9 دقائق للقراءة
الرئيس إلياس سركيس

سيبقى ذاك السبت 8 أيار 1976 يومًا مشهودًا في تاريخ لبنان، فرغم الضغوط والقصف وقطع الطرقات، تحمّل النواب الصعوبات ووصلوا إلى المقر الموقت للمجلس النيابي في قصر منصور، وأمّنوا نصاب جلسة انتخاب الرئيس إلياس سركيس.

وكانت قد حصلت عشية موعد الجلسة تطورات عدة، فقرر النواب المجتمعون في منزل الرئيس صائب سلام الطلب بضرورة تأجيل الجلسة في هذه الظروف، فيما أعلنت "الجبهة اللبنانية" ارتياحها لمواقف النواب المؤيدة لانتخاب رئيس جديد. وليلا، دعا الرئيس كامل الأسعد النواب إلى حضور الجلسة وحسم الموقف بالطرق الدستورية الديمقراطية. ومن المواقف، بدا واضحًا قبل ساعات من موعد الجلسة أن لا مكان لمرشح ثالث.

حلّ صباح السبت والكل ينتظر: استفاقت شوارع وأحياء بيروت الغربية على انتشار مسلحين وإطلاق نار وإقفال شوارع لمنع النواب من التوجه إلى مجلس النواب، لكن "جيش التحرير الفلسطيني" ورجال الصاعقة كانوا يعمدون إلى فتح الطرقات لتأمين وصول من يرغب من النواب من المنطقة الغربية إلى الجلسة.

أول الواصلين كان الأمير مجيد إرسلان قرابة التاسعة صباحًا، بعدما اضطر إلى تبديل طريقه أكثر من مرة. ولدى وصوله قال: نحن لا يهمّنا الإرهاب، وأتينا لنؤكد أننا مؤمنون بلبنان والديمقراطية. ومن ثم وصل الرئيس عادل عسيران، وكان بالإصرار نفسه، وتلاه النائب سليم الداوود. وحتى الساعة الحادية عشرة، لم يكن في المجلس إلا أربعة نواب، هم، إضافة إلى النواب الثلاثة، صاحب القصر حسين منصور.

في المنطقة الشرقية، كان أوّل من حاولوا العبور النواب: حبيب كيروز، جبران طوق، طارق حبشي، لكنهم مُنعوا من إكمال طريقهم بسبب خطورة الوضع، وطُلب إليهم التوجّه إلى مبنى مديرية قوى الأمن الداخلي. وتبعهم النواب: خاتشيك بابكيان، سورين خان أميريان، إنتْرانيك مانوكيان، ملكون أبلغتيان، أرا يورينيان، رينيه معوض، إلياس الخازن، أوغست باخوس، موريس زوين، فؤاد نفاع، وبطرس حرب.

حوالى الساعة الحادية عشرة والربع، وصل الشيخ بيار الجميل ومعه نواب الكتائب: جوزف شادر، إدمون رزق، أمين الجميل، جورج سعادة، لويس أبو شرف، وراشد الخوري. وعندما استعدوا لمتابعة طريقهم، طلب إليهم ضباط الارتباط التمهّل قليلًا لاستكشاف المنطقة، ثم عادوا وأكدوا أن العبور خطر، لكنه غير مستحيل، لأن القنص يأتي من أماكن بعيدة نسبيًا، فيما يكمن الخوف من قصف الهاون. ثم وصل النواب: طوني فرنجية، فؤاد غصن، باخوس حكيم، وعبد الله الراسي، فبلغ عدد الموجودين 25 نائبًا. وانطلقوا يتقدّمهم الشيخ بيار الجميل، وتحت زخّات كثيفة من الرصاص، غادروا سياراتهم ركضًا إلى داخل المجلس بعدما غطّتهم العناصر المرافقة.

بوصول النواب من المنطقة الشرقية، ارتفع العدد إلى 29 نائبًا، وكانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة وخمس وثلاثين دقيقة، وبدأ الاهتمام بالنصاب، وراح البعض يقوم بعمليات حسابية لذلك.

ثم وصل الرئيس كامل الأسعد والنواب: أنور الصباح، منيف الخطيب، حميد دكروب، صبحي ياغي، رائف سمارة، وعلي العبد الله. وتبعه الرئيس رشيد كرامي والنواب: صالح الخير، مرشد الصمد، موريس فاضل، وهاشم الحسيني، فارتفع العدد إلى 41 نائبًا، وكان النواب يدخلون ركضًا هربًا من الرصاص والقصف.

وعند الساعة الثانية عشرة والربع، وصل الرئيس كميل شمعون والنواب: الأب سمعان الدويهي، ميشال ساسين، نصري المعلوف، نديم نعيم، محمود عمار، بشير الأعور، بيار دكاش، إلياس الهراوي، ونديم سالم، فأصبح العدد 51 نائبًا. وحتى الساعة الثانية عشرة وخمس وأربعين دقيقة، لم يصل أي نائب، فجرى التفكير في رفع الجلسة، لكن كان هناك إصرار على عقدها. وما لبث أن بدأ توافد النواب، ولا سيما من المنطقة الغربية، فوصل النواب: سليمان العلي، طلال المرعبي، نجاح واكيم، بهيج تقي الدين، عبدو عويدات، عبد اللطيف الزين، رفيق شاهين، كاظم الخليل، عبد المولى أمهز، ونزيه البزري، فأصبح العدد 61 نائبًا.

ما بين الساعة الواحدة وعشر دقائق والواحدة والربع، وصل النواب: جوزف سكاف، ميشال معلولي، حسن زهمول الميس، سليم المعلوف، وفؤاد لحود، فعلا التصفيق باكتمال النصاب. ثم وصل النائب ناظم القادري، فأصبح عدد النواب 67 نائبًا. وبعد افتتاح الجلسة، وصل النائب أحمد أسبر، ليرتفع العدد إلى 68 نائبًا.

فُتحت القاعة وقُرع الجرس، وبدأ النواب يأخذون أماكنهم. ووقف حرس مجلس النواب وجنود الجيش اللبناني و"جيش التحرير الفلسطيني" على مدخل المقر، مانعين المرافقين المسلحين من الدخول.

افتتح الرئيس الأسعد الجلسة، يحيط به أمينا السر، النائبان الشيخ أمين الجميل وطلال المرعبي. وتمثّلت الحكومة برئيسها، يحيط به ثلاثة من أبطال الاستقلال: الرئيسان كميل شمعون وعادل عسيران، والأمير مجيد إرسلان. وأُعطي مصوّرو الصحف ثلاث دقائق، نظرًا إلى الأجواء المسيطرة، ومن أجل الإسراع في عملية الانتخاب.

طلب الرئيس الأسعد تلاوة المواد 49 و73 المعدّلة، التي تسمح بانتخاب الرئيس قبل ستة أشهر من انتهاء الولاية الدستورية، والمادة 75 من الدستور. وبدأت الدورة الأولى، وبعد فرز الأصوات، نال إلياس سركيس 63 صوتًا، ووُجدت خمس أوراق بيضاء. فطالب البعض بإعلان الفوز، على اعتبار أن الأوراق البيضاء لا تُحتسب وأن الانتخاب تم بالإجماع، لكن تقرّر إجراء دورة ثانية. وقبل مباشرة الانتخاب، وصل النائب عبد اللطيف بيضون، فأصبح الحضور 69 نائبًا. ونال إلياس سركيس في الدورة الثانية 66 صوتًا، ووُجدت ثلاث أوراق بيضاء. فأعلنت الرئاسة انتخابه رئيسًا للجمهورية، وبدأ التصفيق، وهنا وصل النائب زكي مزبودي.

وقبل إقفال المحضر، طلب الرئيس رشيد كرامي الكلام، فحيّا شجاعة النواب، طالبًا "أن نكون بعد الانتخاب عائلة واحدة وصفًّا واحدًا من أجل إنقاذ لبنان وهذا الشعب مما يتخبط فيه ويتألم منه". ثم بدأ النواب بالمغادرة ركضًا، بحماية مرافقيهم، تحت زخات الرصاص وأصوات المدافع.


من هم أصحاب الأوراق البيضاء؟

ذكرت "النهار" أنهم قد يكونون النواب: جوزف سكاف، حسين منصور، إلياس الهراوي، نديم سالم، والأب سمعان الدويهي، وفي الدورة الثانية ثلاثة منهم.

لم يتمكن النواب: الرئيس أمين الحافظ، منير أبو فاضل، شفيق بدر، بيار حلو، وعثمان الدنا، من مغادرة أوتيل البريستول. وكانوا قد أبلغوا الرئيس كامل الأسعد قرارهم حضور الجلسة. وعندما حاول سائق الرئيس أمين الحافظ الصعود إلى السيارة، أُصيب برصاصة في قدمه.

فور إعلان النتيجة، انفجرت المنطقة الشرقية برصاص الابتهاج، وقُرعت الأجراس، وأطلقت البواخر في مرفأ جونيه صفاراتها.

لم يتمكن الرئيس المنتخب من القيام بالزيارة البروتوكولية للرئيس فرنجية بسبب الأحوال الأمنية، فاتصل به معتذرًا. وردّ الرئيس فرنجية معتبرًا أنه لا يجب التوقف عند البروتوكول في هذه الأوضاع، متمنيًا التوفيق للرئيس المنتخب. وعاد الرئيس سركيس وزار الرئيس فرنجية الثلثاء 11 أيار، ومن الزوق توجه إلى منزل الرئيس فؤاد شهاب والتقى أرملته، ومن ثم زار ضريح الرئيس شهاب وعاد إلى منزله في الحازمية.

أما العميد ريمون إده، الذي كان يتابع الجلسة من منزله وكان شبه متأكد من النتيجة، فتمنى في أول موقف له التوفيق للرئيس المنتخب، على أمل أن يشكل الانتخاب بداية حلّ الأزمة. وأضاف: «لقد عملت دائمًا على وضع مصلحة الوطن فوق مصلحتي الشخصية".

وأعلنت الأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية رفضها نتيجة الانتخاب، بما انطوت عليه من تزوير فاضح لإرادة الجماهير التي دعتها إلى الصمود والدفاع بسلاحها عن المناطق المحررة.

بعد انتهاء الجلسة، تعرّض فندق "الكارلتون"، حيث ينزل الرئيس سركيس، لرصاص قنص تطوّر إلى اشتباك بين وحدات "جيش التحرير الفلسطيني" التي تحرسه والقوات المشتركة الفلسطينية اليسارية التي قيل إنها حاولت اقتحامه. وسقط عدد من القتلى، وكاد يُقتل الوزير إلياس سابا الذي كان يهمّ بالدخول للقاء الرئيس سركيس، الذي اضطر إلى النزول من الطابق التاسع إلى الطابق الأرضي، وكان عنده النواب: نزيه البزري، محمد يوسف بيضون، وفؤاد نفاع. واستمرت الاشتباكات حتى ساعات الفجر الأولى، وامتدت ليلًا إلى عدة أحياء في بيروت الغربية، لتهدأ صباحًا. وأسفر النهار والليل الداميان عن سقوط 25 قتيلًا و80 جريحًا.


أنا منكم، أنا لكم، أنا معكم

ليلًا، وجّه الرئيس المنتخب كلمته الأولى إلى اللبنانيين، أطلق فيها شعاره: أنا منكم، أنا لكم، أنا معكم.

اعتبارًا من اليوم التالي، بدأت القوات الفلسطينية واليسارية الاعتداء على منازل النواب الذين شاركوا في الجلسة، فأحرقوا قصر الرئيس كامل الأسعد في الطيبة، وفجّروا منزل النائب كاظم الخليل في شبريحا.

ومن صباح الأحد، بدأ توافد النواب والشخصيات إلى فندق "الكارلتون" لتهنئة الرئيس المنتخب، فوصل الأمير مجيد إرسلان والوزير فيليب تقلا وعدد من النواب، ثم وصل النواب بهيج تقي الدين، فؤاد الطحيني، وسالم عبد النور، ناقلين تهنئة الزعيم كمال جنبلاط. وعندما قال النائب تقي الدين للرئيس: كمال بك يهنئك ويقول لك الله يوفّقك، ردّ الرئيس: لا نقبلها هكذا، نريد أن نتصوّر معًا. ولدى وصول الرئيس الأسعد ونواب جبهة الإصلاح الديمقراطي، قال الرئيس المنتخب للصحافيين: الفضل الأول في إتمام العملية الانتخابية للرئيس الأسعد، ولولاه لما عُقدت الجلسة. فردّ رئيس المجلس: قناعاتنا هي التي أملت علينا مواقفنا في هذا الظرف. ومن الزوار: الرئيس أمين الحافظ، والسفير البريطاني، والعميد عزيز الأحدب الذي وضع نفسه بتصرّف الرئيس.

وعندما علم الرئيس المنتخب أن العميد ريمون إده يحاول الاتصال به لتهنئته ولم يستطع بسبب رداءة الخطوط، نزل إلى سنترال الفندق واتصل به، شاكرًا كلمته بعد الجلسة ومتمنيًا التعاون في المرحلة المقبلة. فردّ العميد إده: مهمتك صعبة، ونحن نتمنى أن يكون انتخابك فاتحة خير وبداية لإنهاء المحنة.

مساء الاثنين 10 أيار، زار المبعوث الأميركي دين براون الرئيس المنتخب في أوتيل "الكارلتون" مهنئًا، كما زاره السفير السوفياتي، وتلقى الرئيس سركيس برقيات تهنئة، أبرزها من الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان.

تغيّب عن جلسة الانتخاب النواب: الرئيس صائب سلام، جميل كبي، محمد يوسف بيضون، عثمان الدنا، الرئيس رشيد الصلح، كمال جنبلاط، فريد جبران، توفيق عساف، زاهر الخطيب، سالم عبد النور، فؤاد الطحيني، عزيز عون، بيار حلو، منير أبو فاضل، شفيق بدر، ريمون إده، ألبير مخيبر، إدوار حنين، إميل روحانا صقر، فريد سرحال، علي الخليل، يوسف حمود، الرئيس أمين الحافظ، عبد المجيد الرافعي، مخايل الضاهر، ألبير منصور، حسن الرفاعي، وحسين الحسيني.

ويبقى سؤال يتردّد حتى اليوم: هل كان ياسر عرفات يريد حقًا منع انعقاد الجلسة النيابية؟