ايلي الياس

استهداف لمشروع إيران لا للطائفة الشيعية

4 دقائق للقراءة

من أخطر المغالطات التي فرضت على اللبنانيين منذ 1985، وخصوصاً على أبناء الطائفة الشيعية، محاولة تصوير الحروب الدائرة في الجنوب على أنها دائماً حرب تستهدف الشيعة كطائفة أو كمكوّن لبناني. فهذه الرواية ليست مضلِّلة فقط، بل تخدم بالدرجة الأولى المشروع الذي حوّل الجنوب والبقاع والضاحية إلى ساحات عسكرية مفتوحة مرتبطة باستراتيجية إقليمية تقودها إيران، لا بالدولة اللبنانية ولا بمصلحة اللبنانيين وطبعا ليست من اجل الشيعة! 

لسنا هنا بصدد تبرير الوحشية والهمجية الإسرائيليتين التي يتعرض لها الجنوب، لكن لم يعد ممكناً أيضاً الصمت عن الكذب الإيراني.

فالجنوب اللبناني، ذو الغالبية الشيعية، لم يُستهدف لأنه شيعي، بل لأنّ "حزب الله" حوّله منذ عقود قاعدة عسكرية متقدمة ضمن ما يسميه الحرس الثوري الإيراني "العمق الاستراتيجي". حتى المسؤولون الإيرانيون أنفسهم لم يخفوا هذه الحقيقة. فمستشار المرشد الإيراني يحيى رحيم صفوي تحدث بوضوح عن وصول إيران إلى البحر المتوسط للمرة الثالثة في التاريخ، معتبراً أن توسيع العمق الاستراتيجي الإيراني حتى خمسة آلاف كيلومتر هو جزء من عقيدة الردع الإيرانية.

ضمن هذه المعادلة، لم يُعامل أبناء الجنوب كمواطنين لبنانيين لهم حق الحياة والاستقرار والتنمية، بل كبيئة حاضنة يجري توظيفها في خدمة مشروع إقليمي يتجاوز لبنان نفسه. ومن أجل تثبيت هذه الوظيفة، استُخدم الدين، والمظلومية التاريخية، وشعار "المقاومة" ، لتحويل المجتمع الشيعي إلى خزان بشري وعقائدي وعسكري، يخدم الحسابات التفاوضية والعسكرية لطهران.

لكن اللافت اليوم أن هذا الواقع لم يعد موضع اعتراض من خصوم "حزب الله" فقط، بل بدأ يتصدع داخل البيئة الشيعية نفسها. فالنقاشات المتصاعدة داخل المجالس الشيعية، كما تكشف عدة مصادر سياسية وإعلامية، تعبّر عن غضب متزايد من استخدام لبنان ورقة تفاوض بين إيران والولايات المتحدة، ومن ربط مصير القرى الجنوبية والمجتمع الشيعي اللبناني ، بمفاوضات النووي الإيراني وموازين القوى الإقليمية.

ومن هنا بدأت تُطرح الأسئلة التي كان ممنوعاً طرحها سابقاً: لماذا يدفع أبناء الجنوب دائماً ثمن الحروب، بينما تُدار التسويات الكبرى فوق رؤوسهم؟ ولماذا تتحول المنازل والمزارع والقرى خطوط نار كلما احتاجت إيران إلى تحسين شروطها التفاوضية؟

هذه الأسئلة ليست سياسية فقط، بل وجودية أيضاً. فالوقائع أثبتت أن أولويات النظام الإيراني لا تُبنى على حماية اللبنانيين، بل على حماية مشروعه الإقليمي. وحتى خلال حرب غزة وما تبعها من تصعيد على الجبهة الجنوبية، أظهرت التطورات أن إيران تعاملت مع "حزب الله" كجزء من شبكة الردع الخاصة بها، لا كقضية لبنانية مستقلة. حتى التحليلات الإيرانية نفسها تؤكد أن ما يحكم السياسة الإيرانية هو "نظرية البقاء" والحفاظ على النفوذ، لا أولوية "تحرير القدس".

وفي هذا السياق، بدا كلام رئيس الجمهورية جوزاف عون واضحاً حين قال إن "دمار بيروت وخراب دمشق وعدم استقرار صنعاء ليس نصرة لفلسطين". فالقضية الفلسطينية تحولت، بالنسبة إلى المحور الإيراني، من قضية تحرر إلى أداة تعبئة وتبرير لتوسيع النفوذ داخل الدول العربية، فيما كانت النتيجة الفعلية انهيار عواصم عربية وتفكك مجتمعاتها.

لم يعد ممكناً إخفاء حقيقة أن السلاح الخارج عن الدولة جرّ الشيعة أنفسهم إلى عزلة قاتلة. فالبيئة الجنوبية التي كان يُفترض أن تكون شريكاً في بناء الدولة، تحولت إلى خط تماس دائم، وإلى مجتمع يعيش بين الحرب والتهجير والانهيار الاقتصادي، فيما تُقمع أي معارضة داخلية عبر التخوين والترهيب واحتكار تمثيل الطائفة.

لكن الأخطر في كل ذلك يبقى البعد الأخلاقي. فعندما تُخزَّن الصواريخ بين القرى والمنازل، وعندما يُربط مصير المدنيين بحسابات عسكرية وعقائدية، يصبح المجتمع نفسه درعا بشريا لمشروع لا يملك قرار الحرب والسلم اللبناني. وهنا لا تعود المسألة دفاعا عن الشيعة، بل استخداما للشيعة.

إن الدفاع الحقيقي عن أبناء الجنوب لا يكون بزجّهم في حروب مفتوحة، بل بإعادتهم إلى كنف الدولة اللبنانية، وفصلهم عن وظيفة "الخط الأمامي" للمشروع الإيراني. فلا الشيعة أعداء للبنان، ولا لبنان عدو للشيعة. بل إن أكبر ظلم لحق بالطائفة الشيعية هو اختزالها داخل مشروع عسكري إقليمي، صادر تنوعها وربط مستقبلها بحسابات لا تشبه لبنان.

واليوم، تفرض اللحظة الراهنة إعادة طرح السؤال الجوهري: هل يبقى الشيعة اللبنانيون ورقة تفاوض في يد طهران، أم يعودون شركاء كاملي الشراكة في دولة لبنانية سيدة، يكون فيها الجنوب مساحة حياة لا ساحة حرب؟