تعود أزمة النفايات إلى الواجهة في عكار من بوابة مطمر "سرار"، مع تصاعد الاعتراضات الشعبية والبلدية على استمرار استقبال نفايات من خارج المنطقة، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول الوعود بالمعالجة إلى تكريس لأزمة بيئية وصحية أعمق. هي مأساة عمرها أكثر من ثلاثة عقود لأهالي القرى والبلدات المجاورة لمكب ومطمر "سرار"، والتي ترفض أن تتحول مناطقها وحياة أبنائها إلى جحيم ليستفيد البعض على حساب صحة أهلها وسكانها.
خلال الأيام الماضية، منع أهالي قرى الجوار شاحنات النفايات من دخول عكار ، اعتراضًا على نقل نفايات من عدة مناطق، بينها المنية والضنية وزغرتا وطرابلس، إلى مطمر "سرار"، وهو ما يخالف الاتفاق مع إدارة المطمر بعدم استقبال أي نفايات من خارج المحافظة. وأعقب ذلك قرار صدر عن البلديات الواقعة الى جوار المطمر والمكب، يقضي بمنع إدخال أي نفايات من خارج المنطقة.
وتوّج هذا التحرك بوقفة احتجاجية نفذها رؤساء بلديات وفاعليات المنطقة قبالة المطمر في "سرار"، حيث طالب المشاركون بحلول جذرية تنهي اعواما من المعاناة الناتجة عن المكب.
وتعيش قرى وادي الحور وقشلق وشير حميرين، والتي تضم أكثر من ألفي عائلة، واقعًا بيئيًا صعبًا، بحكم وقوعها على تماس مباشر مع المطمر، ما يضع سكانها في مواجهة يومية مع الروائح الكريهة والانبعاثات والحرائق المتكررة.
وقفة احتجاج للبلديات والأهالي
وفي الوقفة الاحتجاجية، لفت رئيس بلدية وادي الحور الشيخ سمير العلمان لـ"نداء الوطن" إلى أن البلديات والأهالي صبروا كثيرًا، وهناك وعد بأن المطمر الصحي الموعود سيتم إنهاء العمل به وتشغيله نهاية السنة الجارية. يضيف: عليه، منحنا الجهات المعنية وأبلغنا محافظ عكار بذلك، مهلة حتى نهاية السنة الجارية لتشغيل المطمر الصحي الموعود، وإلا في حال عدم الالتزام، سيتم منع دخول أي نفايات، حتى تلك المنقولة من عكار نفسها. ويشدد الشيخ العلمان على أن مناطق عكار تحملت الكثير من التهميش، وبدلا من اهدائها الورود،يرسلون اليها النفايات. هناك أرض أتلفت، ومياه تلوثت، وهناك أمراض وكوارث، وبعد هذا كله، علينا أن نتحمل تشويه طبيعتنا، وبدلا من أن تكون آية جمالية، تحوّل إلى مطمر للنفايات والكوارث.
بدوره أكد رئيس بلدية شير حميرين مرعب العبدالله لـ"نداء الوطن" أن مدرسة البلدة لا تزال مقفلة نتيجة الأضرار البيئية الناتجة عن المكب، مشددًا على أن الوعود السابقة بإقفال المطمر لم تؤدِّ إلا إلى تفاقم الأزمة، وأصبح بدل المطمر مطمرين، في وقتٍ تخسر الناس أرزاقها وأرواحها أيضًا.
رئيس بلدية الكواشرة محمد العبدالله اعلن لـ"نداء الوطن" وقوفه الكامل إلى جانب بلديات قرى الجوار ، في رفضها إستمرار هذا الواقع البيئي الخطير.
ويثير تجريف الجبل المحاذي للمطمر قلقًا إضافيًا لدى الأهالي، في ظل خشيتهم من أن يكون تمهيدًا لإنشاء مطمر جديد، بما يكرّس الأزمة بدل حلّها، في حين تشير الجهات الرسمية إلى أن هذا التجريف هو لإنشاء المطمر الصحي الموعود من وزارة البيئة بقيمة تفوق ثلاثة ملايين دولار أميركي.
ويستحضر الأهالي حريق العام الماضي الذي تسبب بعشرات حالات الاختناق، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالطريق الحيوية الرابطة بين قرى الجوار وطريق القبيات – حلبا، بفعل حركة شاحنات النفايات، مطالبين بخطة شفافة وحاسمة تعالج هذا الملف نهائيًا.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الوعود الرسمية مع نهاية السنة، تبقى الأشهر المتبقية من 2026 مفصلية ويبقى ملف مطمر "سرار" أمام إاختبار حقيقي: إما الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلّها جذريًا ، وفق معايير بيئية واضحة، بما يفتح صفحة جديدة لأهالي المنطقة، وإما بقاء المشهد على حاله بما ينذر بمزيد من التصعيد الشعبي والبلدي، في معركة بات عنوانها حق عكار في بيئة آمنة وعدالة إنمائية طال انتظارها.