سناء الجاك

"لا تدعو للتفاؤل"

3 دقائق للقراءة

تختم المفاوضات بين لبنان وإسرائيل جولتها الحالية بتناقض مواقف يكاد يلامس المستحيلات. ففي حين يرفض المفاوض الإسرائيلي القبول بوقف إطلاق النار بالتزام وجدية، يجد المفاوض اللبناني نفسه عاجزًا عن التقدم إلى الخطوة التالية، التي قد ترغم "حزب الله" على إيقاف إسناده المشؤوم لإيران.

ومن شأن الاختلاف العمودي بين المتفاوضين أن يقضي على أي إيجابية تسفر عنها نتائج هذه الجولة، وربما على أي جولة مرتقبة، بفعل استعصاء التوصل إلى فهم مشترك بين الطرفين عن أهمية مطلب الدولة اللبنانية وقف إطلاق النار، بصفته المدخل الفعلي لها للحصول على إجماع داخلي في شأن "الحزب" وسلاحه، وكذلك وضع أسس دعم عربي ودولي، بما يؤدي إلى كف يد إيران عن لبنان، وهي التي تسمح لنفسها بالتفاوض مع الشيطان الأكبر على سيادتنا، في حين تحرِّم على دولتنا أي مسعى لإنقاذ الجنوبيين من خلال شيطنة التفاوض مع الشيطان الأصغر.

فمصلحة إيران ومن خلفها "حزب الله"، تكمن في عدم التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار، حينها تقدم خدماتها، وتمنع على الدولة اللبنانية استعادة سيادتها، ليبقى البلد ومصيره ورقة بيد جمهورية ولاية الفقيه إلى ما شاء الله.

ولا حل لهذه الكارثة إلا بالرهان على دور أكثر من ضروري وحيوي للولايات المتحدة. فإذا أراد الرئيس الأميركي دونالد ترامب شل الأذرع الإيرانية وضمان انتزاع الملف اللبناني من إيران، لديه فرصة من خلال الضغط على إسرائيل للالتزام بوقف إطلاق النار، ومن ثم دعم الدولة والجيش، وليس دعم إسرائيل، التي تبرر جرائمها بإبادة البشر والحجر في الجنوب اللبناني، بحجة "الدفاع عن النفس"، وبتضخيم خطر "الحزب" عليها، بما يبرر أيضا لـ"الحزب" الاستمرار في انتحاره ونحر بيئته.

والمصيبة أن استمرار الأعمال العسكرية في ظل الخلل الكبير لجهة التفوق الإسرائيلي، يعزز لدى "حزب الله" السيناريوهات البديلة لمواصلة تحريض بيئته، ليس على العدو الغاشم، ولكن على الداخل اللبناني، وما نشهده من استفزازات يقوم بها فريق مبرمج من النازحين، هو خير دليل. ذلك أن التمهيد لإحتلال مراكز بعينها في بيروت، كما مدرستي "ليسه عبد القادر" و"البيادر"، ومساحات في وسط بيروت قرب "زيتونة بي"، بحجة أن إسرائيل لن تقصفها من جراء عمالة الشهيد رفيق الحريري لها، بما يؤدي إلى مواجهات مع أهل بيروت، تحديدًا، والمسلمين السنّة عمومًا، وبما يؤذي النازحين غير المبرمجين، الذين قد يصبحون كبش فداء لمشاريع "الحزب" المغرضة، وبما يهدد السلم الأهلي. وهذا ما ترغب فيه إيران لتستمر بالقبض على الورقة اللبنانية، وكأنها تقول للأميركيين والإسرائيليين على حد سواء: "فاوضوني واتركوا الدولة اللبنانية الضعيفة". حينها تقبض على الداخل اللبناني بما يلائم أجندتها. ولأن التجربة السابقة مع الولايات المتحدة سلَّمت لبنان إلى سوريا، يصبح التخوُّف مشروعًا من تكرار السيناريو نفسه، وبناء عليه، ربما "لا تدعو إلى التفاؤل" مفاوضات واشنطن.