الشباب والسياسة في لبنان: من الإحباط إلى صناعة البديل

3 دقائق للقراءة

"شو بدن الشباب؟". سؤال يتكرر. إذ لم يعد عزوف الشباب اللبناني عن السياسة تفصيلاً عابراً أو حالة ظرفية مرتبطة بمرحلة معينة، بل تحوّل إلى ظاهرة غير صحية تعكس حجم الانهيار الذي أصاب العلاقة بين الجيل الجديد والدولة.

فالشباب الذين نشأوا وسط الأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية والهجرة الجماعية، باتوا ينظرون إلى الحياة السياسية كمساحة مغلقة تحكمها الطائفية والمصالح، لا الكفاءة ولا مفهوم المواطنة.

وفي بلدٍ يشعر فيه كثيرون بأن أصواتهم لم تعد قادرة على إحداث أي تغيير، يصبح من الطبيعي أن يتراجع الاهتمام بالشأن العام، وأن تتقدّم فكرة الهجرة على فكرة المشاركة. لكن رغم هذا الواقع القاتم، تظهر أحياناً مبادرات تحاول كسر هذه الحلقة وإعادة الشباب إلى قلب الحياة العامة، ليس كشهود على الأزمة، بل كشركاء في صناعة البديل.

من هنا، يلفت مشروع “Youth Mock Parliament II – YMP II” الانتباه بوصفه تجربة مختلفة عن الكثير من المبادرات التقليدية. فالمشروع لا يقوم على الخطابات النظرية أو الشعارات السياسية الفضفاضة، بل ينطلق من فكرة أساسية مفادها أن أي محاولة لبناء مستقبل سياسي مختلف في لبنان تحتاج أولاً إلى إعداد جيل يمتلك أدوات العمل العام، من المعرفة السياسية إلى القدرة على النقاش والتشريع وصناعة المبادرات.

أهمية هذه التجربة أنها نقلت الشباب من موقع المتلقّي إلى موقع المشارك الفعلي. فالمشاركون خاضوا تدريبات على المواطنة والحوكمة والنظام الانتخابي والتواصل السياسي، قبل الانتقال إلى محاكاة حقيقية للعمل البرلماني، بما في ذلك الانتخابات والمناظرات والجلسات التشريعية. وهذا بحد ذاته أمر يفتقده لبنان، حيث تحوّلت السياسة في كثير من الأحيان إلى مساحة تعبئة وانقسام، بدل أن تكون مساحة نقاش حول البرامج والحلول.

كما أن المشروع نجح في جمع شباب من مناطق لبنانية مختلفة، في محاولة لكسر الحواجز التقليدية وبناء مساحة وطنية جامعة. كذلك، فإن تنظيم مناظرات علنية وبثّها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أعاد تقديم السياسة بصورة مختلفة، قائمة على الحوار والمحاسبة، لا على الخطاب الشعبوي والتحريض.

ولعلّ الأهم أن المشروع لم يتوقف عند الجانب الرمزي، بل انتقل إلى مناقشة اقتراحات قوانين مرتبطة بقضايا تمسّ حياة اللبنانيين مباشرة، من الرعاية الصحية والقروض الطلابية إلى البيئة والجرائم المالية. وهذا التحوّل من “السياسة كشعار” إلى “السياسة كسياسات عامة” هو ما يحتاجه لبنان فعلياً اليوم.

"شو بدن الشباب"؟ الإجابة في مبادرات كهذه قد لا تكفي وحدها لتغيير الواقع السياسي المتجذّر منذ عقود، لكنها تطرح نموذجاً مختلفاً قائماً على المعرفة والمساءلة والعمل المؤسساتي. وفي وقتٍ يشعر فيه كثير من الشباب بأن لا مكان لهم في هذا البلد، تبقى هذه التجارب محاولة ضرورية لإثبات أن التغيير لا يزال ممكناً، وأن لبنان لا يمكن أن يبني مستقبله من دون شبابه.