الدكتور جورج شبلي

الروح اللبنانية قريحة شعراء المهجر

4 دقائق للقراءة

وردنا من لجنة جبران الوطنية، أن بلدية نيويورك دشّنت نُصبًا تذكاريًا في الحديقة العامة، في مانهاتن، لشعراء الرابطة القلمية: جبران ونعيمة وأبو ماضي والريحاني، لكنها أوردت على اللائحة التوضيحية معلومات مغلوطة تضمنت توصيف هؤلاء، وهم من أعلام النهضة الأدبية المهجرية، على أنهم سوريون.

بعد تقديم جزيل الشكر لبلدية نيويورك التي كرّمت قامات لبنانية فاح عَبَقُ أدبها في الولايات المتحدة والعالم، كنزًا يُثري العقل، على عكس تقصير الدولة اللبنانية التي توارثت الجهل، وهو من الثقوب السوداء في سلوكياتها، لا يسعنا إلا أن نوضح حقيقة الانتماء الوطني لهؤلاء المبدعين، منعًا من استمرار اللائحة التوضيحية في ارتكاب الحرام المُرّ.

إن سر إبداع شعراء المهجر يعود إلى الروح اللبنانية التي ألبست نتاجهم بُعدًا إنسانيًا، وفيضًا روحانيًا، وأصالة جمالية، وعمقًا فكريًا، وأسقطت على تجربتهم في المهجر كشفًا عن مفهوم الحياة والوجود والوطن، فانتصروا به على دار الغربة، وكذلك على ذواتهم التي تقطعت شوقًا وحنينًا إلى الأهل والدار.

لقد طوّقت الروح اللبنانية عنق الأدب المهجري الذي كان، بها، عن حق، باكورة المظهر العالمي لقلم لبنان البليغ. وقد نسجت هذه الروح صورة الوطن في عمق العصب المهجري الحاد، وبذلك لم تدع نصل البعد يقطع رأس الارتباط بلبنان، مسقط الرأس والأصل. لقد روّضت الروح شعراء المهجر على ترنيمات الوطن جهرًا، لينعدم عندهم الشك بوصيته، ويصبح بالتالي صلة اتساع يتوق شعراء المهجر إلى إعادة فضل له.

إن تراث قوافل اللبنانيين في أقطار الدنيا، ولا سيما شعراء الرابطة القلمية في أميركا الشمالية، قد خلّد الروح اللبنانية خبزًا صلبًا يتسلّق أدراج الحنين، ويخزن ذاته في مكنونات البعد. وهكذا باتت الروح في اكتفاء، ذلك لأن شعر المهجريين جعل هذه الروح منزل قضيته، فباتت الأرض بها جوعًا إلى وجود، ولوحةً متحفة نثرت النداوة.

في لهاث الحنين، ليصح ما قيل بأن بارز الهم أهون من كامنه. وهكذا تركت الروح اللبنانية بصمتها في جدار نفس المهاجرة، فازداد مخزون الوجدان الوطني في ذواتهم، وفي شعرهم، وتمالحت الروح معهم فاكتحلوا بها، وأصبح وجه لبنان مباركًا.

من الظواهر البديهية أن يكون لشكوى الغربة، مع المهاجرة، عهد مكتوب، لم يشيحوا عنه، حتى غدا بسطة رزقهم عندما قرعت الموهبة باب إبداعهم. فأتى إنتاجهم، في بداياته، منتسبًا إلى مخاض الغربة، فاغتسلت العيون والقلوب بالدمع، وتمزق الأمل، وكان ضباب الحزن والقلق أوسع مدار للوحشة. لقد سقى الألم شعر المهجريين، والألم طمّاع وأسلوبه كوخز السكاكين، وعنكبوتيته تعصى على الترويض، وقد لزمت قلوب المهاجرة لزوم الغريم، إلا أن شعراء المهجر صلب خدّهم في ساعات الشوق، ولم يخشعوا للألم المخزون فيه، لأن الروح اللبنانية نضجت في داخلهم، فلم يكن ماء تأثيرها طينًا، ولا أسورتها من غبار.

إن رحلة الروح اللبنانية إلى جمع شعراء المهجر أدت إلى نضج مجاهدتهم جاذبية الغربة، فكان بينهم وبين الشوق والحنين حرب اتصال وانفصال، فبقدر ما كانت الغربة سجنًا ظلاله شوق وألم، بقدر ما استطاع المهاجرة، بفعل الروح، الانسلاخ عن أسر الهجرة، ليعبروا إلى الميراث الوطني اللبناني، وهو محيط لا شواطئ له، ومتنفّس عيش المهاجرة حال الانعتاق ليُبعث المبدع فيهم. من هنا، ليس من باب الادعاء أن الروح اللبنانية كانت في صلب تحفيز المهاجرة لإنتاج أروع طرازات إبداعهم، فمهما قيل عن تجربة الهجرة، وعن اكتنازها بالصفاء الوجداني، تبقى، بحيثيتها الوحدانية وبمعزل عن الروح اللبنانية، غير مكتملة الأفق، ولا تستطيع أضلاعها منفردة تشكيل ترسيمة ينضح عنها دفق المشاعر والجمال.

لقد غرست الروح اللبنانية في شعراء المهجر غروسها، وأمسكت بتقاطيع موهبتهم الشرهة إلى الإنتاج، فكان لها دورٌ طليعي في توضيب حديقة لهذه الموهبة، وهي حديقة كثيرة الفواكه، لا تبرز قيمة بضاعتها إلا في أسواق الذخائر. إن التوفيق بين إحساس المهاجرة بالغربة، والتزامهم الروح اللبنانية، أنتج شعرًا معاشه أبرك، فلو كانت تجربة الهجرة عقدًا، كانت الروح اللبنانية واسطته.

أيها القيمون على بلدية نيويورك، ومع امتناننا العميق لبادرتكم الكريمة التي لا تُنسى، نأمل إجراء التصحيح الضروري لإرجاع نصاب الحق والحقيقة إلى أصحابهما.