من المفترض أن الأفكار والمعتقدات تغيّر الوقائع، ولكن الذي حصل في منطقتنا أن واقع "الطوفان" غيّر الأفكار وموازين القوى. ولأن التاريخ يمهل ولا يهمل، فالعقائد الهدّامة لا بد في النهاية من أن تكتب بيدها مصير هلاكها. وهذا ما هو حاصل مع حركة "حماس" و"حزب الله"، المتجهين، كمشروعين عقائديين، نحو الأفول.
التغيير الاستراتيجي الكبير الذي نحن في خضمه، من حسناته أنه أعاد تعريف "العدو". نظاما الأسد وصدام حسين قتلا من السوريين والعراقيين أضعاف أضعاف ما قتلت إسرائيل، وبمعنى من المعاني، هذان النظامان كانا "يحتلان" كل سوريا والعراق، وينتهكان سيادة الدولتين وحرية الشعبين.
وفي لبنان لم يعد مقبولاً "تمييز الرصاص"، حيث رصاصة الإسرائيلي نقمة ورصاصة فصيل "الحرس الثوري" رحمة. لقد دام الاحتلال الإسرائيلي 22 سنة، من 1978 إلى 2000. في المقابل، رزح لبنان تحت الاحتلال الأسدي والخميني 35 سنة، إلى حين مجيء جوزاف عون ونواف سلام. لقد سقط أيضًا "تمييز الاحتلال". ولمن لم تخنه الذاكرة، يعرف أن انسحاب الجيش الإسرائيلي في أيار 2000 أصاب النظام الأمني السوري – اللبناني بخيبة موقتة، إلى حين تكريس شماعة "مزارع شبعا المحتلة" مبررًا لاستمرار نظرية "المقاومة الإسلامية".
كم هو التاريخ عديم الرحمة مع من يعاند مساره الطبيعي، فمن سخرية الأقدار أننا أمام معادلة واضحة، حيث إن تفكيك "حزب الله" بأجهزته الأمنية والعسكرية من شأنه أن يحقق هدف زوال "الاحتلال الإسرائيلي"، وتلقائيًا زوال "ذريعة المقاومة". لقد صحّت فيهم الآية الكريمة من القرآن: "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين".
ولكن العقائد الهدَّامة لا تستطيع مقاومة نزعتها الانتحارية، وبدلاً من أن تحتمي هذه المنظمة بالدولة وتعيد انتظامها فيها، ناصبتها الخصام، وكل يوم ينزلق خطابها نحو عدوانية مفرطة، لأن مشروع تحويل لبنان جزءًا من "جمهورية إيران الإسلامية" بدأ يفقد كل الأكاذيب التي تأسس عليها.
ومنذ بدأ التفاوض المباشر، انفصل هذا "الفصيل الإيراني" عن الدولة، وأصبح يسميها "السلطة" في محاولة لإسقاط شرعيتها، وبالتالي إعلان الانفصال عن معظم الشعب اللبناني. نحن اليوم في قاموس هذا الفصيل "أعداء". والدولة، بصفتها "العدو الداخلي"، تحاول استرداد الأرض من "العدو الخارجي"، ولكنه يأبى هذا المسار.
هذا التمادي في الانتحار على طريقة "عليّ وعلى أعدائي"، سيجعل الدولة، وفي وقت ليس غير بعيد، أمام خيار لا بد منه لإنقاذ نفسها وشعبها، ألا وهو التفاوض في واشنطن والحسم العسكري في الداخل. وإلا فإن النظام ككل سيصبح مهددًا. كم يبدو التفاوض مع إسرائيل سهلاً أمام تعنت هذه الجماعة التي وقف جوزاف عون على خاطرها سنة ونصف السنة، ثم كسرت بخاطره وتتمادى في كسر الجرة عمدًا مع أكثرية الشعب اللبناني.