أنطونيو رزق

"النموذج الفنزويلي" يطرق أبواب هافانا

5 دقائق للقراءة

بدأت الضغوط الاقتصادية غير المسبوقة التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على كوبا خلال الأشهر الأخيرة تؤتي ثمارها، إذ وافق قادة الحزب الشيوعي في الجزيرة على استقبال وفد أميركي ترأسه مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) جون راتكليف في هافانا الأسبوع الماضي، بعدما كانت كوبا قد أعلنت نفاد مخزونات الديزل وزيت الوقود بسبب الحصار الأميركي المطبق على وارداتها النفطية منذ كانون الثاني، ما دفع الكوبيين إلى الشارع للاحتجاج على الانقطاعات الواسعة في التيار الكهربائي، مع تفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعانيها البلاد منذ سنوات.

يسعى ترامب إلى متابعة تطبيقه الحازم لـ "عقيدة مونرو" عبر استنساخ النموذج الفنزويلي في كوبا، وتوجيه ضربة جديدة للنفوذ الصيني - الروسي في حديقة أميركا الخلفية. لذلك، بُعيد إطاحته الديكتاتور الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي كان يمدّ كوبا بمعظم حاجاتها من النفط، وجّه ترامب اهتمامه إلى النظام الشيوعي في كوبا، الذي لطالما أمّن موطئ قدم لأعداء أميركا قبالة شواطئها منذ قيامه عام 1959، كما شكّل نشاطه الاستخباراتي مصدر قلق بالغ للأميركيين على مدى عقود.

انطلاقًا من ذلك، تشترط واشنطن أساسًا، لفك الحصار عن كوبا وتحسين العلاقات، وقف نشاط الاستخبارات الصينية والروسية على الأراضي الكوبية، وإجراء إصلاحات اقتصادية تسهّل الاستثمار في القطاع الخاص. وقد شدّد راتكليف، الذي أصبح ثاني مدير لـ "سي آي أيه" يزور الجزيرة منذ الثورة الشيوعية، على تلك المطالب خلال زيارته، متعهدًا بأن بلاده "ستتعاون بجدية" مع كوبا في شأن القضايا الاقتصادية والأمنية "فقط إذا أجرت تغييرات جوهرية"، وفق ما أفاد مسؤول في "سي آي أيه" لوكالة "رويترز"، بينما لوّح ترامب مرارًا بإمكانية لجوئه إلى القوة العسكرية إذا فشلت الضغوط الاقتصادية في تحقيق أهدافه في كوبا.

في هذا الإطار، كان لافتًا تسريب وسائل إعلام أميركية، بعد زيارة راتكليف إلى هافانا، أن إدارة ترامب تسعى إلى توجيه تهم جنائية ضد الرئيس الكوبي السابق راوول كاسترو، شقيق الزعيم الراحل فيدال كاسترو، والذي لا يزال يتمتع بتأثير كبير في السياسة الكوبية، ما يشكّل وسيلة ضغط إضافية على القادة الكوبيين، إذ إن توجيه تلك التهم قد يكون تمهيدًا قانونيًا لعملية مماثلة لاعتقال مادورو.

وكشف موقع "أكسيوس"، استنادًا إلى معلومات استخباراتية سرّية اطّلع عليها، أن كوبا استحوذت على أكثر من 300 طائرة مسيّرة عسكرية، وبدأت أخيرًا مناقشة خطط لاستخدامها في مهاجمة القاعدة الأميركية في خليج غوانتانامو، وسفن عسكرية أميركية، وربما جزيرة كي ويست التابعة لولاية فلوريدا. وتُظهر المعلومات الاستخباراتية، التي قد تتحوّل إلى ذريعة لعمل عسكري أميركي، مدى اعتبار إدارة ترامب كوبا تهديدًا، بسبب التطورات في حرب المسيّرات ووجود مستشارين عسكريين إيرانيين في هافانا، وفق ما أفاد مسؤول أميركي رفيع للموقع.

توازيًا، أعلنت واشنطن استعدادها لتقديم مساعدة إنسانية بقيمة 100 مليون دولار للشعب الكوبي، لكنها اشترطت أن توزّع تلك المساعدات عبر الكنيسة الكاثوليكية ومنظمات غير حكومية، كما عرضت التبرّع بمحطات من "ستارلينك" لتوسيع نطاق الاتصال في الجزيرة، وكسر احتكار النظام للإنترنت، لكن هافانا لم توافق حتى كتابة هذه السطور على قبول المساعدة، مطالبة بإنهاء الحصار أو تخفيفه، الأمر الذي من شأنه أن يعمّق النقمة الداخلية على النظام مع تفاقم الأزمة الإنسانية.

ليس واضحًا ما إذا كان من الممكن تطبيق النموذج الفنزويلي في كوبا، إذ إن تحقيق ذلك يحتاج إلى إيجاد جهة من داخل النظام قادرة على الإمساك بزمام الأمور داخل البلاد، ومقتنعة بضرورة تنفيذ الشروط الأميركية، على غرار الرئيسة الفنزويلية الحالية، ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو السابقة. حتى الآن، لا يزال من الصعب على قادة الحزب الشيوعي الخضوع للشروط الأميركية، التي سيؤدي تنفيذها إلى إضعاف قبضتهم على السلطة، لكن الأزمة الإنسانية والنقمة الشعبية والتهديدات العسكرية قد تدفعهم إلى إبداء قدر أكبر من المرونة.

رغم عدم وضوح الصورة، ليس مستبعدًا أن يتوصل ترامب والنظام الكوبي إلى اتفاق يشبه الترتيب الذي عُقد بين واشنطن وكاراكاس بعد إطاحة مادورو، لكن في حال لم يحدث ذلك، قد يتطلّب الأمر إزاحة القادة الكوبيين المؤثرين الذين يعرقلون الاتفاق، مثل كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانيل، والتعامل مع قادة أكثر براغماتية، فيما يبقى احتمال انهيار النظام الشيوعي برمته قائمًا. بيد أن هذا السيناريو لا يصب في مصلحة واشنطن إذا لم يكن هناك بديل قادر على قيادة البلاد، إذ إن الفوضى الأمنية المصحوبة بأزمة إنسانية ستحوّل كوبا إلى هايتي ثانية، وستدفع مئات الآلاف من الكوبيين إلى الهجرة نحو شواطئ فلوريدا، الأمر الذي سيبذل ترامب جهده لتجنّب حصوله قدر المستطاع.